قائمة الموقع

من ناقل المآسي إلى بطلها.. الصحفي أحمد البرش يبحث عن ابنه “جلال” في غزة

2026-06-07T15:23:00+03:00
الآلاف المفقودين في غزة من ضمنهم الأطفال (صورة أرشيفية)

لم يعد الصحفي أحمد البرش خلال الأيام الأخيرة يشبه نفسه. فالرجل الذي اعتاد نقل قصص الألم من خيام النازحين وركام البيوت في قطاع غزة، وجد نفسه فجأة داخل واحدة من أقسى تلك القصص، بعدما فُقد ابنه البكر جلال (8 أعوام)، المصاب باضطراب طيف التوحد، والذي خرج من خيمة العائلة في منطقة بئر النعجة شمال القطاع ولم يعد حتى اللحظة.

ومنذ اختفاء الطفل، تحولت حياة الأسرة إلى رحلة بحث مفتوحة لا تهدأ، تمتد من الشوارع المدمرة إلى مراكز الإيواء والمستشفيات، في محاولة للعثور على أي خيط يقود إلى مكانه، وسط واقع إنساني وأمني بالغ التعقيد.

يقول البرش لصحيفة "فلسطين" إن جلال كان يعاني قبل الحرب من أعراض اضطراب طيف التوحد، مثل الانعزال وصعوبة التواصل والخوف من التجمعات والأصوات المرتفعة، مشيرًا إلى أن الحرب وما رافقها من نزوح متكرر وقصف مستمر فاقمت حالته بشكل كبير، وجعلت مراقبته أكثر صعوبة في ظل غياب الاستقرار.

ويضيف أن الطفل كان يجد صعوبة في التأقلم مع البيئات الجديدة التي فرضها النزوح، وكان يتأثر بشدة من الأصوات والانفجارات، ما جعله أكثر عرضة للخوف والارتباك في محيط غير آمن.

في صباح يوم اختفائه، خرج جلال من محيط الخيمة في بئر النعجة، ومنذ تلك اللحظة انقطعت أخباره بالكامل. وعلى الرغم من جهود العائلة والأقارب والمتطوعين، لم يُعثر عليه حتى الآن.


 

وخلال الأيام الماضية، تلقى الأب عشرات بل مئات الاتصالات من مواطنين قالوا إنهم شاهدوا الطفل في أماكن متفرقة، فكان يتوجه فورًا إلى كل موقع يُبلغ عنه، إلا أن جميع المحاولات انتهت دون نتيجة.

ويشير البرش إلى أن بعض الشهادات أفادت بأن الطفل شوهد متجهًا نحو مناطق قريبة من ما يُعرف بـ“الخط الأصفر”، وهي مناطق تتواجد فيها قوات الاحتلال شمال القطاع، ما جعل هذا الاحتمال يطارده باستمرار، خاصة مع اتساع مناطق السيطرة العسكرية.

ومنذ اختفاء ابنه، لم يترك الأب مكانًا في شمال غزة إلا وفتشه. تنقل بين شرق القطاع وغربه، وزار مراكز الإيواء والمستشفيات والنقاط الطبية، وفتش بين الركام والأراضي الخالية والمباني المدمرة، ووصل به الأمر إلى البحث في مناهل الصرف الصحي والأماكن الوعرة.

ويقول: “فكرة واحدة لا تفارقني… أن جلال ضاع بسبب هذه الحرب، وأصبح ضحية أخرى لها، سواء بالجوع أو الخوف أو التيه، أو ربما بسبب الكلاب الضالة، أو حتى بسبب الاحتلال”.

هذه الاحتمالات الثقيلة ترافقه في كل خطوة، لكنه رغم ذلك يرفض الاستسلام، ويتمسك بخيط أمل يدفعه لمواصلة البحث يوميًا.

وتعيش العائلة حالة نفسية متدهورة مع مرور الوقت، إذ تعيش الأم على وقع القلق والانتظار، فيما يؤكد مقربون أن الوالدين بالكاد ينامان أو يتناولان الطعام منذ اختفاء الطفل.

ورغم الألم، يحتفظ الأب بكل ما يخص جلال كما تركه يوم خروجه، إذ أوصى زوجته بعدم غسل ملابسه، لتبقى رائحته حاضرة وكأنها آخر أثر له داخل الخيمة.

ويقول البرش إنه يقضي ساعات طويلة ممسكًا بملابس ابنه أو متأملًا صوره القليلة، محاولًا استعادة تفاصيله اليومية وصوته وحركاته التي غابت فجأة.

ويروي الأب حادثة مؤثرة زادت من ألمه، إذ قال إنه رأى شقيقه الشهيد في المنام، وأخبره: “لا تتعب نفسك في البحث عن جلال، فقد أصبح عندي”، لكنه رغم ذلك لم يتوقف عن البحث.

ويخرج البرش كل صباح سيرًا على الأقدام، متنقلًا بين مناطق النزوح والدمار، حاملاً صورة ابنه، يسأل عنه في الطرقات والأسواق ومراكز الإيواء ونقاط توزيع المساعدات، ليعود منهكًا في المساء ويبدأ اليوم التالي بالطريقة نفسها.

ويؤكد أنه نذر لله أن يواصل البحث لمدة أربعين يومًا متواصلة، وألا يترك مكانًا يمكن أن يكون ابنه قد مرّ به دون أن يفتشه بنفسه.

المفارقة القاسية أن أحمد البرش، الذي قضى شهور الحرب يوثق معاناة الآخرين، كان يقف خلف الكاميرا ناقلًا قصص الفقد، قبل أن يجد نفسه اليوم داخل القصة ذاتها، لكن بوجه الأب المكلوم لا الصحفي.

اليوم لم يعد يبحث عن خبر أو صورة، بل عن ابنه فقط… جلال الذي خرج من الخيمة ذات صباح ولم يعد، تاركًا خلفه أبًا يجوب الطرقات، وأمًا تنتظر عند باب الخيمة خبرًا يبدد الخوف، وعائلة معلقة بين الرجاء والألم.

وفي قطاع أنهكته الحرب، تبقى قصة جلال واحدة من أكثر القصص قسوة؛ طفل من ذوي اضطراب التوحد ابتلعته ظروف الحرب، ووالد يرفض الاستسلام، متمسكًا بأن رحلة البحث لن تنتهي إلا بمعرفة المصير، أيًا كان.

اخبار ذات صلة