لم يكن الدكتور وائل محيي الدين الزرد مجرد أكاديمي يدرّس علوم الشريعة أو خطيبًا يعتلي المنابر، بل كان نموذجًا للعالم المربي الذي جمع بين العلم والدعوة والتأثير الإنساني. وعلى مدى عقود، ترك بصمة واضحة في قاعات الجامعات ومساجد غزة، وأسهم في تشكيل وعي أجيال من الطلبة والدعاة، قبل أن تنهي غارة إسرائيلية حياته خلال حرب الإبادة على قطاع غزة، في حين بقي أثره حاضرًا في تلاميذه وكتبه وسيرته.
وُلد الدكتور وائل محيي الدين سيد الزرد في مدينة غزة بتاريخ 24 ديسمبر/كانون الأول 1972، ونشأ فيها قبل أن يشق طريقه العلمي في الدراسات الإسلامية. التحق بالجامعة الإسلامية بغزة، حيث حصل على درجة البكالوريوس في أصول الدين عام 1995، ثم نال درجة الماجستير في الحديث الشريف عام 2001، قبل أن يتوج مسيرته الأكاديمية بالحصول على درجة الدكتوراه من جامعة عين شمس بالتنسيق مع جامعة الأقصى.
وجمع الزرد بين العمل الأكاديمي والدعوي، فعمل محاضرًا في الجامعة الإسلامية وجامعة القدس المفتوحة، ثم في الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية، حيث شغل منصب نائب رئيس قسم الدراسات الإسلامية، وأسهم في تدريس العديد من المساقات الشرعية والتربوية.
وبالتوازي مع مسيرته الأكاديمية، تولى إمامة وخطابة المسجد العمري الكبير بمدينة غزة، واكتسب حضورًا دعويًا مؤثرًا بفضل أسلوبه الذي ربط النصوص الشرعية بواقع الناس وقضاياهم اليومية، مقدمًا خطابًا يجمع بين العلم والتربية والتوجيه.
الداعية والإنسان والمعلم
تقول زوجته أسماء الزرد إن الصورة التي عرفها الناس عن الدكتور وائل في الجامعة والمسجد لم تكن تعكس كل جوانب شخصيته، مضيفة: "في البيت كان أبًا حنونًا للغاية، قريبًا من أبنائه، يهتم بأدق تفاصيل حياتهم، وكأنه يعيش لهم أكثر مما يعيش لنفسه".
وتضيف لصحيفة "فلسطين": "كان يعود من عمله مرهقًا، لكنه لا يتحدث عن تعبه، بل يسأل عن أبنائه ودراستهم وأحوالهم، ويجلس معهم وكأنه يحاول تعويضهم عن كل لحظة غياب".
وأشارت إلى أنه كان يتحمل مسؤولية أسرته الكبيرة بهدوء وصبر، إذ كان أبًا لثمانية أبناء، ولم ينظر يومًا إلى هذه المسؤولية باعتبارها عبئًا، بل أمانة ورسالة.
ولم يكن الزرد، بحسب زوجته، خطيبًا تقليديًا، بل كان يؤمن بأن رسالة الداعية تتجاوز إلقاء الخطب إلى إصلاح الناس ومساندتهم في أوقات الأزمات.
وتقول: "كان يردد دائمًا أن الكلمة مسؤولية، وأن الناس لا يحتاجون فقط إلى خطبة، بل إلى من يخفف عنهم ويثبتهم وقت الشدائد".
وفي المسجد العمري الكبير، حرص على أن تكون خطبه قريبة من الناس، تعتمد على القصة والموقف الحياتي لتوضيح المعاني، مع تركيز دائم على قيم الصبر والثبات والإيمان.
وخلال مسيرته العلمية، أنجز عددًا من المؤلفات والأبحاث، من أبرزها كتاب "مظاهر الجاهلية كما تصورها نصوص السنة النبوية"، كما أعد مقرر "الدعوة والداعية" الذي دُرّس في عدد من المؤسسات الأكاديمية في غزة، وشارك في مؤتمرات علمية تناولت قضايا الدعوة وبناء المجتمع.
وفي الوسط الأكاديمي، عُرف بقربه من طلبته وحرصه على تنمية شخصياتهم علميًا وأخلاقيًا، وليس الاكتفاء بتقديم المعرفة النظرية فقط.
وتقول زوجته: "كان يعتبر طلابه أبناءً له، وكثيرًا ما كان يعود إلى المنزل متحدثًا عن مشكلات أحدهم أو احتياجاته، كما لو كان يتحدث عن أحد أبنائه".
اختبار الإيمان والصبر
مع اندلاع حرب الإبادة على قطاع غزة، كان الزرد واضحًا في مواقفه، مؤمنًا بأن المرحلة تمثل اختبارًا للصبر والثبات.
وتروي زوجته أنه بعد استشهاد نجله البراء بفترة قصيرة، كان يردد بثبات: "ما عند الله خير وأبقى.. اللهم ألحقني به شهيدًا".
وتضيف: "رغم الألم الكبير، لم يكن ينهار أمامنا، بل كان يحاول أن يثبتنا نحن، وكأن قلبه كان معلقًا بالله أكثر من تعلقه بالحياة".
كما رفض مغادرة مدينة غزة والنزوح إلى جنوب القطاع، معتبرًا أن البقاء بين الناس في تلك الظروف واجب ديني وأخلاقي، وكان يردد: "حيث يكتب الله لنا نكون، وما أصابنا لم يكن ليخطئنا".
وفي يوم استهدافه، ألقى درسًا قصيرًا دعا فيه الناس إلى الصبر والثبات، قبل أن يعود إلى منزله.
وتقول زوجته: "لم نتخيل يومًا أن منزلنا سيكون هدفًا للقصف. كنا نظن أننا مثل بقية الناس، لكن الصاروخ جاء فجأة وغيّر كل شيء".
وأصيب الزرد بجروح خطيرة إثر قصف منزله، وبقي يومين في قسم العناية المركزة قبل أن يرتقي شهيدًا في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وبرحيله، فقدت غزة أحد أبرز علماء الشريعة والدعوة، وخسر طلبته أستاذًا ومربيًا ترك أثرًا عميقًا في مسيرتهم العلمية والتربوية.
لكن زوجته ترى أن حضوره لم ينتهِ باستشهاده، وتقول: "لم يكن شخصًا فقط، بل كان فكرة؛ فكرة أن العلم لا ينفصل عن الأخلاق، وأن الداعية الحقيقي يعيش للناس قبل أن يعيش لنفسه".
وتبقى سيرة الدكتور وائل الزرد شاهدًا على نموذج العالم الذي جمع بين الجامعة والمنبر والبيت، وترك إرثًا علميًا وتربويًا لا يزال حاضرًا في نفوس طلابه ومحبيه، رغم رحيله في واحدة من أكثر الحروب دموية في تاريخ قطاع غزة.