قال أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في لبنان د. علي بيضون، إن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقف إطلاق النار في لبنان جاء بعد الجولة الرابعة من المفاوضات التي جرت بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي في واشنطن. وشدد في الوقت ذاته على أن "المقاومة منعت الاحتلال من تحقيق النصر في لبنان وغزة".
وأوضح بيضون في حوار خاص مع صحيفة "فلسطين"، أن ترامب يسعى لفصل المسار اللبناني عن الإيراني من أجل سحب الذريعة من الأخير في مسألة وقف التعاون واتفاق وقف إطلاق النار في مضيق هرمز، "لذلك يريد أن يسحب ورقة قوة من إيران من خلال الإعلان عن انتهاء الحرب في لبنان"، وفق تقديره.
ورأى أن ترامب يريد الاستفراد بلبنان من خلال عقد اتفاق ثنائي بعيداً عن مفاوضات اسلام آباد بالتالي يحقق من ذلك نصراً معنوياً يتجسد في إعطاء الاحتلال مكاسب سياسية وإرضاء بنيامين نتنياهو، مما يجعله لا يعطي الاتفاق بين إيران والولايات المتحدة.
ووصف اتفاق وقف النار في لبنان بـ "المفخخ" ولم يصل لشيء بسبب رفضه من المقاومة، كونه يُعطي مجالاً للعدو الإسرائيلي أن يربح في السياسة ما خسره في الميدان.
وأكد أن الاتفاق يصب في مصلحة الولايات المتحدة الامريكية لأنها بحاجة إلى اتفاق وتهدئة للأوضاع وفتح مضيق هرمز وإعادة تنظيم عبور النفط والغاز الشريان الحيوي الاقتصادي للعالم وعدم تحميل ترامب مسؤولية ما يجري في المنطقة من جهة ورفع الأسعار في أمريكا من جهة أخرى.
وبيّن أن ترامب يريد من خلال الاتفاق تثبيت النفوذ الأمريكي في لبنان من خلال احتضان السلطة اللبنانية واعطائها نجاحات وهمية من خلال هذه المفاوضات بأن هذه السلطة عبر المفاوضات وصلت إلى اتفاق مع الكيان.
وأضاف "يُمكن لترامب من خلال وقف الحرب في لبنان الذهاب إلى وقف الضغط الإيراني على أمريكا في مسألة مضيق هرمز تحديداً، بالتالي تحصل مكاسب أمريكية مرتبطة بوقف الحرب، بالتالي يصل الاتفاق للنجاح بعدما وضعت إيران نقطة أساسية بأنه لا يُمكن وقف النار إلا بعد وقف الجبهة اللبنانية".
صمود المقاومة
إلى ذلك، أكد الخبير السياسي أن المقاومة اللبنانية ما زالت تؤدي دوراً أساسياً في مواجهة (إسرائيل) ومنعها من تحقيق أي انتصار عسكري أو سياسي، مشيراً إلى أن أداء المقاومة في الميدان أسهم في حرمان جيش الاحتلال الإسرائيلي من تثبيت سيطرته واستقراره في المناطق التي يحتلها جنوب لبنان.
وأوضح أن المقاومة تعتمد تكتيكات عسكرية تستهدف القوات والآليات الإسرائيلية، إلى جانب مواصلة عمليات القصف باتجاه المستوطنات والمواقع العسكرية في شمال فلسطين المحتلة، ما أدى إلى إبقاء الجبهة اللبنانية مفتوحة أمام الضغوط المتواصلة على (إسرائيل).
وأضاف أن الولايات المتحدة و(إسرائيل) لم تتمكنا من تحقيق أهدافهما السياسية المرتبطة باتفاق وقف إطلاق النار في لبنان، معتبراً أن الاتفاق المطروح يمنح (إسرائيل) مزايا سياسية وأمنية من خلال السماح لها بالبقاء في بعض المناطق وحرية الحركة العسكرية، فضلاً عن عدم التزامها الكامل ببنوده.
وأشار إلى أن موقف المقاومة الرافض لبعض بنود الاتفاق عكس حضورها كطرف رئيسي في المعادلة السياسية والأمنية اللبنانية.
غزة.. جوهر الصراع
وفيما يتعلق بالحرب على قطاع غزة، شدد بيضون على أن القطاع لا يزال يمثل جوهر الصراع في المنطقة، لافتاً إلى أن (إسرائيل) لم تحقق أهدافها العسكرية منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، رغم مراحل وقف إطلاق النار والجهود الدولية التي طُرحت لإدارة الأوضاع في غزة.
وقال إن المشاريع التي جرى الحديث عنها سابقاً، بما فيها تشكيل قوات دولية أو إنشاء ترتيبات سياسية وأمنية جديدة في القطاع، تراجعت إلى حد كبير، فيما بقيت الأزمة مفتوحة وسط استمرار الحصار والعمليات العسكرية والاغتيالات.
وأضاف أن (إسرائيل) تسعى إلى زيادة الضغوط على الفلسطينيين وفصائل المقاومة بهدف فرض ترتيبات أمنية وسياسية جديدة في القطاع، في وقت تواصل فيه توسيع سيطرتها على مساحات واسعة من غزة.
ورأى بيضون أن احتمالات تجدد التصعيد العسكري في القطاع ما تزال قائمة، خاصة إذا استمرت قوات الاحتلال في التمسك بأهدافها المعلنة المتعلقة بالقضاء على المقاومة ونزع سلاحها، معتبراً أن هذه الأهداف تمثل أحد أبرز أسباب تعثر أي تسوية شاملة.
وعن العلاقة بين الجبهتين اللبنانية والفلسطينية، أوضح أن هناك محاولات أمريكية وإسرائيلية لفصل مسارات التفاوض والاتفاقات الخاصة بكل جبهة على حدة، بهدف تفكيك ما يُعرف بوحدة الساحات. وأضاف أن واشنطن و(تل أبيب) تسعيان إلى التعامل مع غزة ولبنان كملفين منفصلين سياسياً وأمنياً، بما يحد من تأثير أي تنسيق أو ترابط بين ساحات المواجهة المختلفة.
حرب إيران
وفي سياق آخر، تناول بيضون المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران، مشيراً إلى أن المواجهة بين الطرفين لم تتوقف بشكل كامل، لكنها انتقلت إلى مستويات أقل من الحرب المباشرة، ضمن ما وصفه بقواعد الاشتباك التي تمنع توسع الصراع.
وأوضح أن الإدارة الأمريكية لجأت خلال الفترة الماضية إلى تكثيف الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية على طهران، بما في ذلك العقوبات والقيود المفروضة على صادرات النفط الإيرانية، إلا أن إيران تمكنت، بحسب رأيه، من الحفاظ على موقفها التفاوضي ومواصلة الرد على أي تهديدات أو تحركات عسكرية تستهدفها.
وأضاف أن المفاوضات ما زالت تواجه عقبات تتعلق بالملف النووي الإيراني والعقوبات الاقتصادية والضمانات المطلوبة من الجانبين، مشيراً إلى وجود جهود ووساطات إقليمية تهدف إلى تقريب وجهات النظر والتوصل إلى اتفاق يخفف من حدة التوتر.
وأكد بيضون أن ملف غزة لا يشكل جزءاً مباشراً من أي اتفاق محتمل بين واشنطن وطهران، نظراً لوجود مسار تفاوضي منفصل يتعلق بالقطاع، بينما يبقى الوضع في لبنان أكثر ارتباطاً بالتفاهمات الإقليمية الجارية بسبب استمرار التوترات الأمنية والعسكرية على الجبهة الجنوبية.
وبشأن السيناريوهات المحتملة خلال الفترة المقبلة، توقع بيضون استمرار حالة التوتر في المنطقة، مع بقاء احتمالات التصعيد قائمة سواء في غزة أو لبنان أو على صعيد العلاقة بين إيران و(إسرائيل). كما أشار إلى إمكانية تعثر المسار التفاوضي بين واشنطن وطهران إذا فشلت الجهود الدبلوماسية في معالجة القضايا الخلافية الأساسية.
وختم بالقول إن مستقبل المنطقة سيظل مرتبطاً بنتائج المفاوضات الجارية ومستوى التزام الأطراف المختلفة بخفض التصعيد، محذراً من أن انهيار المسارات السياسية قد يقود إلى جولات جديدة من المواجهات العسكرية، بما يهدد الاستقرار الإقليمي ويزيد من تعقيد الأزمات القائمة.