قائمة الموقع

ظريف الطول.. شيخ المقاتلين

2026-06-07T09:27:00+03:00
الشهيد أحمد خميس أبو يونس
فلسطين أون لاين

لم تنته حكاية الجدات عن ظريف الطول حين غابت خطاه عن القرى الفلسطينية في زمن الانتداب، ولم يغلق عليه كتاب التاريخ، ولم تطفأ أمجاد بقيت عشقًا راسخًا في الذاكرة الفلسطينية.

هو ابن البلد الشهم الأصيل؛ رجل طويل القامة، شجاع، نبيل، ابن المدينة والقرية، المقاتل العنيد والنموذج الفريد، بطل كل الحكايات.

 رمز لكل من وقف في وجه الظلم، يتنقل بين الأزمنة ولا ينتمي لزمن أو جيل واحد.

لم يكن ظريف الطول مجرد اسم يروى، ولا غنوة يرددها الأطفال في مواسم الفرح والدبكة الشعبية، بل كان أكبر من رجل، وأوسع من حكاية راسخة في الوجدان، تتنقل من جيل إلى جيل، تبحث في كل جيل عن جسد جديد يحمل الرسالة ذاتها.

وهكذا تعود الحكاية الفلسطينية من زمن الماضي إلى زمن حاضر يشبه الأسطورة؛ من بين الركام، وتحت الأنقاض، وفي قلب المخيمات المحاصرة، لكنها تعود بوجه جديد واسم جديد.

في غزة المحاصرة، حيث تكتب الحكايات بالدم لا بالحبر، تبدأ فصول جديدة من الرواية.

في أحد ميادين رفح، برزت سيرة “شيخ المقاتلين”، أحمد خميس أبو يونس، ذلك الرجل الذي تجاوز العقد السادس من عمره، لكنه حمل روحه كما يحمل الشباب سلاحهم في أول الطريق، لم تمنعه السنون من أن يكون في الصفوف الأولى في معركة  “طوفان الأقصى”.

لم يكن وجوده رقمًا عابرًا في الميدان، بل كان شاهدًا على جيل كامل كتب تفاصيل الحكاية؛ جيل لم يتخل عن فكرة المقاومة، بل حملها حتى آخر العمر.

كان يمضي نحو الميدان وكأنه ذاهب إلى لقاء مؤجل منذ زمن، يودع أحبابه على عجل، نظرة أخيرة، وقبلة على الرأس، بلا خطابات طويلة ولا دموع، ثم يمضي في طريق يعرف أنه قد ينتهي بالشهادة.

هكذا تبدأ الحكايات الكبرى دائمًا، بخطوات هادئة نحو المجد، وإرادة لا تنكسر، لتشكل المشهد الأخير، الذي لا يشبه كل النهايات.

لم يفهم عدوه شيئًا من حكاية الفلسطيني، ولم يدرك أنه قد يفقد كل شيء، لكنه لا يفقد موقفه، وأنه قد يحاصر بجسده، لكن روحه تبقى حرة، يرفع صوته في لحظاته الأخيرة، وتعلو تكبيراته، ثم يرحل جسده، لكن صورته تبقى، صورة شيخ يغادر الدنيا واقفًا، صلبًا في وجه جلاده.

في غزة، لا تروى الأساطير عن أبطال من الخيال، بل عن أناس حقيقيين؛ يضحكون، ويحلمون، ويأكلون، ثم حين تأتي اللحظة الفاصلة يقفون حيث يجب أن يقف الرجال.

في غزة لا تنتهي حكايات الأبطال باستشهادهم، بل تبدأ، ويولد معها ظريف طول جديد.

قد يكون شيخا مقاتلا، أو شابا في أول الطريق، أو أما تنتشل أبناءها من تحت الركام، أو طبيبة تنقذ مصابا، أو رجلًا لا يملك في لحظته الأخيرة سوى كرامته.

لكنهم جميعا أبناء الحكاية نفسها… حكاية لا تنتهي، حكاية شعب كلما ظن العالم أن آخر أبطاله قد رحل فاجأه ببطل جديد.

اخبار ذات صلة