يصعّد جيش الاحتلال الإسرائيلي خروقاته لاتفاق وقف حرب الإبادة على قطاع غزة في وقت تبدأ اليوم جولة مفاوضات جديدة في القاهرة لبحث سُبل إنجاح مسار الاتفاق الذي دخل حيّز التنفيذ في أكتوبر الماضي دون التزامٍ إسرائيلي واضح.
وتشهد الفترة الراهنة سلسلة من الاستهدافات الإسرائيلية الممنهجة ضد أهداف مدنية في مختلف مناطق قطاع غزة، ما يثير تساؤلات حول أهداف توسيع الخروقات، وانعكاساته على فرص إنهاء الحرب المستمرة منذ أكثر من عامين.
وتشير إحصائيات للمكتب الإعلامي الحكومي إلى أن الاحتلال ارتكب نحو 3076 خرقاً لقرار وقف إطلاق النار خلال 232 يوماً، أسفرت عن استشهاد ما يزيد عن 939 مواطناً وإصابة 2889 آخرين، إضافة إلى اعتقال 82 مواطنا، ما يعكس استمرار انتهاكات الاحتلال رغم التفاهمات والاتفاقات المعلنة.
تحولات مهمة
ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة القدس د. أحمد فارس عودة، أن المشهد الإقليمي يشهد تحولات مهمة قد تنعكس على مستقبل الحرب في غزة، مشيراً إلى أن انتهاء المواجهات والتوترات المرتبطة بإيران ولبنان قد يفتح الباب أمام مرحلة سياسية جديدة في المنطقة تقودها الولايات المتحدة.
ويعتقد عودة في حديثه لصحيفة "فلسطين"، أن الإدارة الأمريكية باتت تميل إلى استراتيجية تقوم على وقف الحروب والصراعات المفتوحة في الشرق الأوسط، والانتقال نحو ترتيبات سياسية وأمنية تضمن الاستقرار الإقليمي، بما يشمل التعامل مع ملف غزة ضمن رؤية أوسع لإعادة ترتيب أوضاع المنطقة.
ويوضح أن هذا التوجه يختلف عن المراحل الأولى للحرب، إذ أدركت واشنطن، بحسب تقديره، صعوبة حسم الصراعات الإقليمية عسكرياً، ما دفعها نحو خيارات ما يسمى "الاحتواء السياسي والدبلوماسي".
ويرى أن أي مشروع للاستقرار الإقليمي لن ينجح دون معالجة القضية الفلسطينية بصورة جادة، متوقعاً أن تتضح ملامح هذا المسار خلال المرحلة القريبة المقبلة.
استحقاقات انتخابية
وحول أسباب تصعيد الخروقات الإسرائيلية الراهن، يلفت عودة إلى أن حكومة الاحتلال تسعى إلى تحقيق عدة أهداف متزامنة، أبرزها توجيه رسالة داخلية بأنها ما زالت تواصل الحرب ضد المقاومة، إضافة إلى توظيف التصعيد في المعركة السياسية الداخلية مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
كما يشير إلى ضغوط اليمين المتطرف الساعي إلى توسيع سيطرة الاحتلال داخل القطاع واستخدام العمليات العسكرية كورقة ضغط على الفلسطينيين.
فرص نجاح محدودة
في المقابل، يقدم المختص في الشأن الإسرائيلي د. عمر جعارة قراءة مختلفة تركز على محدودية فرص نجاح الحراك السياسي الحالي لوقف الحرب في ظل استمرار الاحتلال بالعمليات العسكرية.
ويرى في حديثه مع صحيفة "فلسطين" أن الولايات المتحدة تبقى الطرف الأكثر تأثيراً في مسار التفاوض، بينما تفتقر الأطراف الوسيطة إلى القدرة على فرض التزامات فعلية على (إسرائيل)، وفق اعتقاده.
ويؤكد جعارة، أن (إسرائيل) تستخدم أدوات الحصار والتحكم بالمياه والغذاء والمساعدات الإنسانية كوسائل ضغط موازية للعمل العسكري، مشيراً إلى أن حكومة الاحتلال لا تزال تبحث عن "صورة انتصار" لم تتمكن من تحقيقها رغم استمرار الحرب.
تعطيل التنفيذ
ويرى أن خروقات الاحتلال العسكرية الحالية تتعارض مع تفاهمات وقف إطلاق النار السابقة، محملاً حكومة الاحتلال مسؤولية تعطيل تنفيذ الالتزامات المتفق عليها.
كما يشير إلى أن مؤسسة الاحتلال السياسية ما زالت منقسمة بشأن إمكانية تحقيق أهداف الحرب المعلنة، وفي مقدمتها ما يسمى "القضاء على المقاومة" أو فرض ترتيبات سياسية جديدة في القطاع.
وبين قراءتي عودة وجعارة، تبدو غزة عالقة بين مسارين متوازيين؛ الأول إقليمي ودولي يسعى إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي في المنطقة، والثاني ميداني تفرضه الحسابات الإسرائيلية الداخلية وضغوط اليمين المتطرف.
وبين هذين المسارين، تبقى فرص تثبيت وقف إطلاق النار مرهونة بمدى نجاح الجهود الدولية في تحويل الحراك السياسي الجاري إلى اتفاق ملزم يوقف الحرب ويفتح الباب أمام مرحلة سياسية جديدة، في وقت يواصل فيه التصعيد العسكري إلقاء ظلاله على مستقبل القطاع وسكانه.