لم يكن تدمير مخيم جنين مجرد عملية عسكرية عابرة تهدف لملاحقة مجموعات مسلحة أو إنهاء حالة أمنية مؤقتة، بل بدا كأنه جزء من عملية أوسع لإعادة تشكيل المكان سياسيًا وديموغرافيًا وأمنيًا.
مخيم جنين، الذي ظل لسنوات رمزًا للمقاومة الفلسطينية المسلحة والشعبية، تحول خلال الأشهر الأخيرة إلى مساحة مدمرة ومنهكة، وبلا لاجئين، بعد عمليات اقتحام واسعة، وتهجير للسكان، وتدمير للبنية التحتية، ومحاولات متكررة لكسر البيئة الاجتماعية التي احتضنت المقاومة، لكن السؤال الأخطر لا يتعلق فقط بما جرى داخل المخيم، بل بما يمكن أن يأتي بعده.
في السنوات الأخيرة، تصاعد الخطاب الصهيوني الداعي إلى توسيع الاستيطان في شمال الضفة الغربية، وخاصة في محيط جنين. هذا الخطاب لم يعد هامشيًا أو مقتصرًا على جماعات المستوطنين، بل بات جزءًا من رؤية سياسية تتبناها أطراف نافذة داخل حكومة الاحتلال، والتي ترى أن “الحسم الأمني” يجب أن يتبعه “حسم جغرافي” لتكريس السيطرة الفعلية على الأرض، ما يمنع نشوء أي بيئة مقاومة فاعلة.
وفي خضم هذه التحولات، يبدو أن السلطة وقعت في فخ الاعتقاد بأنها، بتوهمها ضبط الوضع الأمني والسيطرة على المشهد الداخلي، يمكن أن تمنح نفسها مساحة أوسع لإدارة الأمور أو تجنب مواجهة أكبر، وتحمي نفسها من سيل العقوبات الذي لا نهاية له. غير أن ما جرى لاحقًا كشف أن محاولات احتواء المقاومة أو تفكيك بيئتها لم تؤدِّ إلى تثبيت واقع فلسطيني أكثر استقرارًا، بل على العكس تمامًا، فقد ساهمت عمليًا، ولو بصورة غير مباشرة، في تمهيد الطريق أمام عودة المشروع الاستيطاني إلى جنين بوتيرة غير مسبوقة.
فالاحتلال، الذي أخلى المستوطنات في محافظة جنين ومعسكراته قبل أكثر من عقدين، عاد اليوم بصورة تدريجية وواضحة. عاد المشروع الاستيطاني إلى "حومش" و"جانيم" و"كديم" و"ترسيلا"، إلى جانب إقامة بؤر استيطانية جديدة فوق جبل السالمة في بلدة رابا شرق جنين، وأخرى على أراضي سيلة الظهر والفندقومية جنوب المحافظة. ولم يتوقف الأمر عند حدود المستوطنات، بل امتد إلى إنشاء مواقع وثكنات عسكرية داخل مدينة جنين نفسها أو بمحاذاتها، وحتى في المناطق المصنفة “أ”، التي يُفترض، وفق اتفاق أوسلو، أنها تقع تحت الإدارة والسيطرة الفلسطينية الكاملة.
هذا التحول يكشف أن الاحتلال لم يعد يتعامل مع شمال الضفة باعتباره منطقة يمكن الانسحاب منها أو الاكتفاء بإدارتها أمنيًا وعن بُعد، بل باعتباره مساحة يجب إعادة السيطرة المباشرة عليها أمنيًا وجغرافيًا.
ومن هنا، فإن ما يجري اليوم لا يبدو مجرد إجراءات مؤقتة مرتبطة بالعدوان على غزة، بل تأسيسًا لواقع جديد يعيد رسم خريطة النفوذ والسيطرة في الضفة.
وبموازاة ذلك، يعمل الاحتلال على إنشاء بنى تحتية وشبكات طرق جديدة تؤمن حركة جيشه ومستوطنيه بعيدًا عن تلك التي يستخدمها الفلسطينيون أو تلك التي تمر عبر التجمعات السكانية الفلسطينية.
وهذه الشبكات لا تعني فقط تعزيز الفصل الجغرافي، بل أيضًا مصادرة آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية، وهدم عشرات المنازل والمنشآت، وتحويل مساحات واسعة إلى مناطق أمنية مغلقة أو ممرات استيطانية محمية بالقوة العسكرية.
والمفارقة الأكثر إثارة للأسئلة أن المستوطنات والمعسكرات التي أُخليت في جنين قبل عقدين بقيت، طوال تلك الفترة، مناطق شبه مهجورة وخالية، دون أن تبادر السلطة إلى استثمارها أو إقامة مشاريع تنموية أو زراعية أو إسكانية تحميها من العودة التدريجية للاستيطان، وظلت تلك الأراضي معلقة ومهملة، بلا تفسير سياسي مقنع، ما جعل إعادة التسلل الاستيطاني إليها أسهل بكثير مع تغير المناخ السياسي الإسرائيلي وتصاعد نفوذ أحزاب اليمين والمستوطنين.
لقد أثبتت التجربة أن الفراغ في فلسطين لا يبقى فراغًا طويلًا، فالأرض التي لا تُحمى سياسيًا وشعبيًا وعمرانيًا تصبح عرضة لإعادة السيطرة عليها، وما يحدث اليوم في جنين يبدو وكأنه إعادة إنتاج لمعادلة قديمة: تدمير البيئة المقاومة، خلق فراغ على الأرض، ثم ملؤه بالمعسكرات والطرق والبؤر الاستيطانية.
وبالرغم من حجم الدمار والضغط العسكري، فإن الاعتقاد بأن القوة وحدها قادرة على إنهاء حالة الرفض والمقاومة يبدو تسطيحًا للأمور، فجنين لم تكن مجرد مخيم أو مجموعة مسلحة، بل حالة سياسية واجتماعية متجذرة تشكلت عبر عقود من الاحتلال والاقتحامات والتهميش وانسداد الأفق السياسي.
ولهذا، فإن ما يجري اليوم لا يقود إلى أي استقرار بقدر ما يؤسس لمرحلة أكثر تعقيدًا وخطورة، عنوانها عودة الاستيطان تحت غطاء الأمن، في حين يجد الفلسطيني نفسه مرة أخرى أمام خسارة الأرض والمدينة والقدرة على الحركة، في مشهد يعيد تشكيل الصراع بأدوات أكثر قسوة