قائمة الموقع

عبد الرحمن والنكسة: هزيمة لم تنتهِ بعد

2026-06-05T16:20:00+03:00
رامي خريس
فلسطين أون لاين

حلّت علينا اليوم ذكرى الخامس من يونيو/حزيران، ذلك اليوم الذي ارتبط في الذاكرة العربية بهزيمة عام 1967، أو ما عُرف بـ"النكسة"، حين تمكن الجيش الإسرائيلي خلال ستة أيام من هزيمة ثلاثة جيوش عربية وفرض واقع سياسي وجغرافي ما زالت المنطقة تعيش تداعياته حتى اليوم.

لكن هذا التاريخ لا يحمل بالنسبة لي معنى واحدًا.

في الخامس من يونيو قبل عشر سنوات، وُلد عبد الرحمن في عائلتنا الصغيرة، ومنذ ذلك اليوم أصبح هذا ذا التاريخ مختلفًا في الذاكرة؛ لا يمر كذكرى حرب فقط، بل كذكرى حياة بدأت داخل البيت، ورافقَت تفاصيلنا اليومية لسنوات.

كبر عبد الرحمن في غزة، في واقع لا يشبه الطفولة كما يُفترض أن تكون، كان يعيش تفاصيل بسيطة تشبه كل الأطفال: المدرسة، الأصدقاء، وأحلام صغيرة لا تتجاوز حدود يومه، في مكان تتداخل فيه الحياة مع ما يفرضه الواقع من قسوة مستمرة.

لكن في عام 2023، انتهت حياة عبد الرحمن كما عرفناها، حين استشهد في الحرب على قطاع غزة. ومنذ ذلك الوقت، لم يعد الخامس من يونيو يومًا واحدًا في الذاكرة، بل صار يحمل صورتين متناقضتين لا تنفصلان: حياة بدأت هنا، وحياة انتهت هناك.

وعندما أعود للتفكير في عبد الرحمن، لا تبدو العلاقة بينه وبين النكسة مجرد تزامن في التاريخ، فهناك خيط ممتد بين لحظة تاريخية بدأت عام 1967، وبين واقع ما زال يتشكل حتى اليوم، فالقضية ليست في حدث مضى، بل في مسار طويل من التحولات التي أعادت إنتاج الصراع بأشكال مختلفة، ودفعت أجيالًا متعاقبة ثمنه.

فبعد ما يقارب ستة عقود على حرب الأيام الستة، لا تزال القدس والضفة الغربية وقطاع غزة تعيش تحت تأثير نتائج ذلك التحول التاريخي، ولا يزال الجولان السوري محتلاً، فيما شهدت المنطقة جولات متكررة من الحروب والمواجهات وإعادة تشكيل موازين القوى، تبدلت العناوين السياسية، لكن جوهر الصراع بقي قائمًا.

وخلال هذه العقود، سلكت دول عربية مسارات تسوية سياسية، كما انخرطت أطراف أخرى في اتفاقات تطبيع تحت عناوين متعددة. كما خاض الفلسطينيون بدورهم تجربة طويلة مع مسار التسوية، أملاً في الوصول إلى حل ينهي الاحتلال ويستعيد الحقوق.

ومع ذلك، بقي السؤال مفتوحًا: هل قادت هذه المسارات إلى إنهاء الصراع؟ أم أنها أعادت تنظيمه دون حسمه؟

ولم يكن الجدل يومًا مجرد مقارنة بين خيارات سياسية، بل امتد إلى سؤال أعمق يتعلق بجدوى الفعل نفسه تحت الاحتلال. فالبعض يطرح فكرة أن الكلفة البشرية للمواجهة عالية، وأن مسارات التسوية أقل تكلفة وأكثر واقعية.

في المقابل، يرى آخرون أن التاريخ لا يقدم شواهد على أن الحقوق تُمنح دون ضغط أو مقاومة، وأن الاحتلال لا يتراجع تلقائيًا بفعل الزمن أو التفاوض وحده.

غير أن السؤال الأكثر عمقًا لا يتعلق فقط بكلفة الفعل، بل بكلفة غيابه أيضًا. فالتجربة الفلسطينية منذ عام 1967 لا تشير إلى أن غياب المواجهة أدى إلى استعادة الحقوق، كما أن مسارات التسوية، رغم ما حملته من وعود، لم تُنهِ الاحتلال أو تغير جوهر الواقع على الأرض.

وفي المقابل، لا يمكن اختزال التجربة في ثنائية صلبة بين قبول ورفض أو بين مقاومة وتسوية، فكل تجربة بشرية قابلة للمراجعة والتقييم والتعديل وفق الواقع المتغير، لكن المراجعة تختلف جذريًا عن الاستسلام لفكرة أن الهزيمة قدر نهائي لا يمكن تجاوزه.

ولعل أخطر ما خلفته النكسة لم يكن فقط فقدان الأرض، بل ترسخ شعور طويل بالعجز لدى بعض الوعي الجمعي، وكأن ما حدث عام 1967 كان نهاية التاريخ لا بدايته. غير أن التاريخ نفسه يثبت أن الهزائم ليست ثابتة، وأن موازين القوة قابلة للتحول، وأن الشعوب التي ترفض تحويل الهزيمة إلى قدر دائم قادرة على إعادة صياغة مستقبلها.

وفي كل مرة يحل فيها الخامس من يونيو، يعود عبد الرحمن إلى الذاكرة كما تعود النكسة إلى السؤال.

 بين حياة بدأت في هذا التاريخ، ومسار تاريخي بدأ فيه أيضًا، يبقى المعنى الأعمق أن الذاكرة ليست مجرد تسجيل لما حدث، بل طريقة لفهم ما زال يحدث حتى الآن.

وبين الذكريين، الشخصية والتاريخية، يبقى ما هو أبعد من الحدثين: أن الهزيمة لا تصبح قدرًا إلا حين تُترك دون مساءلة، وأن الشعوب، مهما طال زمن الانكسار، تبقى قادرة على إعادة تعريف مستقبلها.

اخبار ذات صلة