لم تكن تفاصيل الحكاية معقدة في بدايتها؛ طفلٌ يولد بمرض "الهيموفيليا" (سيولة الدم)، يحتاج كغيره من المرضى حول العالم إلى رعاية دورية وحقن "العامل الثامن" ($Factor\ VIII$) ليعيش حياة طبيعية.
لكن في قطاع غزة، حيث تحول الجسد الفلسطيني إلى ساحة مواجهة مفتوحة مع الموت، لم يعد للمرض مسارٌ طبيعي.
هنا، يصبح نقص حقنة واحدة بمنزلة حكم بالإعدام المؤجل، وتتحول ركبة تنزف إلى عجز دائم، مع استمرار حرب إبادة جماعية يشنها الاحتلال الإسرائيلي، أتت على البشر والحجر، ودمرت المنظومة الصحية تدميراً ممنهجاً.
بين جدران مجمع التحرير الطبي في خانيونس، يرقد الشاب وليد أسامة أبو مصطفى منذ نحو 9 أشهر. لا يقوى الشاب العشريني على مغادرة سريره، بعد أن أكل النزيف المتكرر الحاد مفصل ركبته اليمنى، وسلبه القدرة على المشي تماماً. تحول السرير الطبي إلى عالم وليد الصغير، في حين تحولت عينا والدته إلى مرآة تعكس فصولاً من القهر والانتظار العبثي خلف بوابات غزة المغلقة.
بصوت مخنوق بالدموع، لكنه يحمل صلابة أمهات غزة، تقول والدة وليد لصحيفة "فلسطين": "منذ طفولته ونحن ندرك أن جسد وليد رقيق أمام الجراح، كنا نحميه من سقطات الصغار، ونهرع به إلى المستشفى مع كل نزيف طفيف ليأخذ العلاج. كبر وليد وكبرت معه أحلامه، لكن هذه الحرب اللعينة لم تترك لنا أحلاماً. منذ تسعة أشهر ووليد مستلقٍ على هذا السرير، أراقب مفصله وهو يتضخم بفعل الدماء المحتبسة، وأسمع أنينه في الليل دون أن أملك له من أمري شيئاً. الاحتلال لا يقتلنا بالصواريخ فقط، إنه يقتل ابني ببطء شديد وهو يمنع عنه قطرة العلاج".
تتنهد الوالدة المكلومة، ثم تتابع وعيناها ترقبان المحاليل المعلقة فوق رأس ابنها: "في الأشهر الأخيرة، صدمنا الأطباء بأن جسد وليد لم يعد يستجيب للعلاج المعتاد بالعامِل الثامن. قالوا لنا إن هناك شكوكاً كبيرة بأن جسده شكل أجساماً مضادة تبطل مفعول الدواء. سألتهم: كيف نتأكد؟ قالوا لي بالحرف الواحد: يا حجة، الفحوصات والتحاليل المتخصصة لتأكيد هذا الأمر غير موجودة في كل قطاع غزة. المختبرات دُمرت، والأجهزة تلفت، والمواد المخبرية ممنوع دخولها بفعل الحصار. كيف نداوي مرضاً لا نستطيع حتى فحص أبعاده؟".
تضيف أم وليد أن الأطباء المتابعين لحالته في مجمع التحرير، يقولون إن حالته حالياً بأخطر مراحل مرضه. فالأمل الوحيد المتبقي لإنقاذ حياته يتوقف على توفير بديل علاجي عاجل وفوري هو "العامل السابع" ($Factor\ VII$). هذا العامل قادر على تجاوز الأجسام المضادة وإيقاف النزيف، لكن المفارقة المؤلمة والقاتلة، هي أن هذا العلاج غير متوفر مطلقاً داخل قطاع غزة، وينضم إلى قائمة طويلة جداً من الأدوية التي يمنع الحصار الإسرائيلي دخولها.
تصف الأم الموقف والألم يتطاير من عينيها قهراً: "الأطباء يبذلون كل ما في وسعهم، لكنهم يقفون مكتوفي الأيدي. يقولون لي علاج ابنائك موجود خلف المعبر، على بعد كيلومترات قليلة منا، لكن الاحتلال يغلق البوابات ويتركه ينزف. أي ميزان عدل في هذا العالم يسمح بأن يموت شاب في مقتبل العمر لأن حقنة دواء ممنوعة من الدخول بقرار سياسي وعسكري؟".
في الساعات الأخيرة، تدهورت الحالة الصحية لوليد بشكل دراماتيكي يثير الرعب في قلوب عائلته. فالنزيف لم يعد محصوراً في ركبته التي أُعطبت، بل امتد بشكل حاد ومرعب ليرسم بقعاً زرقاء وقانية تمتد من أعلى الفخذ الأيسر وصولاً إلى أسفل الساق. هذا النزيف الداخلي المتمدد، ترافق مع ارتفاع حاد ومستمر في درجة حرارة جسده (الحمى)، وهي إشارة طبية خطيرة تنذر بدخول الجسد في مرحلة الصدمة أو التسمم جراء الدماء المحتبسة وتراجع المناعة.
توضح: "ابني ينزف من فخذه حتى قدمه، وجسده يشتعل بالحرارة. في كل دقيقة تمر، أشعر أن وليد يبتعد عني خطوة نحو الموت. أنا لا أطلب مستحيلاً، أطلب حق ابني الإنساني في العلاج، أطلب تسيير سفره فوراً إلى الخارج لإجراء الفحوصات التي حُرم منها في غزة، وتلقي 'العامل السابع' الذي يوقف هذا الشلال من الدماء داخل جسده. أنقذوا وليد قبل أن أصحو يوماً ولا أجد أنفاسه".
يمثل وليد اليوم آلاف المرضى في قطاع غزة الذين يقتفون أثر الموت بسبب غياب الدواء البديل، وتدمير البنية التحتية الطبية، واستمرار الحصار الجائر كأداة من أدوات الإبادة الجماعية المستمرة حتى يومنا هذا. ويبقى السؤال المعلق في فضاء مجمع التحرير، وعلى لسان أم وليد وكل عائلته: هل يتحرك العالم ولجان الإغاثة الدولية لفتح المعابر وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، أم سيبقى وليد ينزف حتى تجف في عروقه الحياة؟