في أحد شوارع مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، يحاول أصحاب محال تأجير بدلات الزفاف التمسك بما تبقى من مظاهر الحياة، بالرغم من الحرب الإسرائيلية المتواصلة وما خلّفته من دمار واسع وأزمات معيشية خانقة طالت جميع القطاعات، بما فيها قطاع الأعراس والزفاف.
فبعد أكثر من عامين من الحرب والحصار وإغلاق المعابر، باتت محال الزفاف تعاني نقصا حادا في أبسط لوازم صيانة بدلات العرائس والعرسان، نتيجة منع الاحتلال الإسرائيلي إدخال العديد من المواد والإكسسوارات الأساسية، الأمر الذي تسبب بارتفاع أسعار التأجير وصعوبة توفير بدلات مناسبة للشباب والفتيات المقبلين على الزواج.
توفيق القدرة، صاحب محل لتأجير بدلات الزفاف في خانيونس، يقول إن استئناف العمل بعد الدمار لم يكن سهلًا، موضحًا أنه اضطر لإعادة افتتاح محله بإمكانات بسيطة جدًا بعد أن خسر محله الكبير الذي كان يضم عشرات البدلات الفاخرة قبل الحرب.
ويضيف القدرة لصحيفة "فلسطين" أن المشكلة الأكبر لا تكمن فقط في فقدان البضائع، بل في منع إدخال المواد اللازمة لصيانة وتجهيز البدلات، مثل “السلك”، و”السيليكون”، و”الخرز”، والأزرار الذهبية والفضية، إضافة إلى أنواع من الأقمشة والاكسسوارات التي تستخدم في تزيين فساتين الزفاف وبدلات العرسان.
ويوضح أن بدلات الزفاف تحتاج إلى صيانة مستمرة بسبب كثرة الاستخدام، وأحيانًا تتعرض بعض القطع للتلف البسيط بعد استخدامها مرة أو مرتين، لكن غياب أدوات الصيانة يجعل إصلاحها شبه مستحيل، ما يضطر أصحاب المحال إلى استبدال القطع التالفة بالكامل بتكاليف باهظة.
محاولة التمسك بالحياة
يشير القدرة إلى أن جزءًا من البضائع التي تمكن من إدخالها إلى غزة وصل بحالة تالفة أو غير صالحة للاستخدام، في ظل غياب المواد الضرورية لإعادة تأهيلها، مؤكدًا أن الاحتلال يمنع إدخال أشياء “بسيطة جدًا” لا يمكن أن تشكل أي خطر.
وبالرغم من هذه الظروف، يؤكد القدرة أن هناك إقبالًا واضحًا من الشباب والفتيات على الزواج، في محاولة للتمسك بالحياة وسط الحرب والدمار، لكنه يشير إلى أن الغلاء يثقل كاهل العرسان بشكل كبير.
ويقول إن أسعار تأجير البدلات ارتفعت بشكل ملحوظ نتيجة تكاليف النقل والصيانة ونقص المواد، إلا أن أصحاب المحال يحاولون التخفيف عن الشباب قدر الإمكان، موضحًا أن بعض الباقات التي تشمل بدلة العريس وفستان العروس وخدمات التجميل تصل إلى نحو 1500 شيكل، رغم أن تكلفتها الحقيقية أصبحت أعلى بكثير بعد الحرب.
قلة الخيارات المتاحة
من جهتها، تقول الأسيرة المحررة تسنيم مروان الهمص، وهي عروس تبحث عن فستان زفاف يناسبها، إن الفتيات في غزة يواجهن صعوبة كبيرة في إيجاد بدلات مناسبة بسبب قلة الخيارات المتاحة وارتفاع الأسعار.
وتوضح الهمص لصحيفة "فلسطين" أن إغلاق المعابر ومنع دخول المواد اللازمة أثّر بشكل مباشر على قطاع الأعراس، مشيرة إلى أن كثيرًا من الفساتين الموجودة تفتقر إلى الإكسسوارات أو تحتاج إلى تعديلات لا يمكن تنفيذها بسبب نقص المواد.
وتضيف أن الظروف الاقتصادية الصعبة وغياب فرص العمل جعلت كثيرًا من الشباب غير قادرين على تحمل تكاليف الزواج، في وقت يحاول فيه أهالي غزة البحث عن أي مساحة للفرح رغم الحرب المستمرة.
وتؤكد الهمص أن المواطنين في قطاع غزة “شعب يحب الحياة”، وأن استمرار الأعراس رغم القصف والفقدان يعكس رغبة الناس في التمسك بالأمل ومواجهة الموت بالحياة.
وتتابع: “على الرغم من الحزن وعدد الشهداء الكبير، يحاول الناس التعايش والبحث عن الفرح، لكن إغلاق المعابر ونقص المواد الأساسية يجعل حتى تفاصيل الفرح البسيطة معركة يومية”.
ومع استمرار الحرب والحصار، تبقى أحلام العرسان الفلسطينيين معلقة بين غلاء الأسعار ونقص الإمكانيات، في حين تتحول بدلات الزفاف في غزة إلى شاهد جديد على الأثر الإنساني العميق الذي تتركه الحرب في أدق تفاصيل الحياة اليومية.