بين أزقة مخيم البريج الضيقة، حيث تتكئ الحكايات الفلسطينية على جدران اللجوء، وتتشابك الذاكرة مع تفاصيل الحياة اليومية، نشأ المؤرخ والأكاديمي الفلسطيني ناصر اليافاوي حاملاً في قلبه مدينة لم يرها قط، لكنها ظلت تسكن وجدانه منذ الطفولة، إنها يافا.
لم يكن مجرد أستاذ تاريخ يروي أحداث الماضي لطلابه، بل حارسًا للذاكرة الفلسطينية، وشاهدًا على التحولات السياسية والاجتماعية التي عاشها الشعب الفلسطيني عبر عقود طويلة من اللجوء والحصار والحروب.
وعلى مدى سنوات، كرّس اليافاوي حياته للبحث والتعليم والعمل الثقافي، متنقلاً بين المدارس والجامعات والندوات الفكرية، مدافعًا عن الرواية الفلسطينية ومؤمنًا بأن التاريخ ليس مُجرد تسجيل للأحداث، بل معركة وعي وهوية أيضًا.
لكن حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة لم تكتفِ باستهداف البشر والحجر، بل امتدت لتطال الأصوات الأكاديمية والثقافية، لينتهي مشواره تحت وطأة القصف داخل المخيم ذاته الذي بدأت فيه حكايته.
المولد والنشأة
وُلد ناصر إسماعيل اليافاوي في الأول من يناير/ كانون الثاني عام 1963، في مخيم البريج وسط قطاع غزة، لعائلة فلسطينية هُجّرت من مدينة يافا بعد نكبة عام 1948. وقد تركت حياة اللجوء أثرًا عميقًا في تكوينه الفكري، إذ نشأ وسط روايات التهجير وفقدان الوطن والتمسك بحق العودة، وهو ما انعكس لاحقًا في اهتمامه المبكر بالتاريخ والقضية الفلسطينيين.
درس اليافاوي التاريخ في جامعة بيرزيت بالضفة الغربية، حيث حصل على درجة البكالوريوس، ثم نال درجة الماجستير في التاريخ من جامعة الأقصى في غزة، قبل أن يحصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من إحدى الجامعات المغربية. ومنذ سنوات شبابه، بدا واضحًا شغفه الكبير بالتوثيق والبحث التاريخي، إذ كان يقضي ساعات طويلة في قراءة الكتب والوثائق ومتابعة التحولات السياسية الفلسطينية والعربية.

بدأ حياته المهنية مُعلمًا لمبحث التاريخ في مدارس وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، ثم عمل مشرفًا تربويًا، قبل أن ينتقل إلى التدريس الجامعي. وخلال مسيرته الأكاديمية، حاضر في الجامعة الإسلامية بغزة، وجامعة الأقصى، وعدد من الكليات والمؤسسات التعليمية داخل القطاع، حيث عرف بين طلابه بأسلوبه الذي يجمع بين التحليل السياسي والسرد التاريخي، مع تركيزه الدائم على ربط التاريخ الفلسطيني بالواقع المعاصر.
كما شارك في مؤتمرات أكاديمية وندوات فكرية داخل غزة وخارجها، وقدم محاضرات حول تاريخ القضية الفلسطينية والهوية الوطنية وحق العودة، وكان حريصًا على مخاطبة الأجيال الشابة بلغة قريبة منهم، محاولاً ترسيخ الوعي الوطني في وجود ما عدّها "حربًا مستمرة على الذاكرة الفلسطينية".
دور فكري وثقافي
إلى جانب عمله الأكاديمي، لعب اليافاوي دورًا بارزًا في الحراك الثقافي والفكري داخل غزة. فقد شغل منصب نائب رئيس مؤسسة "بال ثينك" للدراسات الإستراتيجية، كما تولى منصب الأمين العام لمبادرة المثقفين العرب منذ عام 2014، وشارك في تنظيم عشرات الفعاليات الفكرية والثقافية التي ناقشت قضايا فلسطين والهوية العربية ومستقبل المنطقة.
وفي عام 2020، عُيّن رئيسًا لقطاع العلوم الإنسانية والاجتماعية في فلسطين من قبل الاتحاد الأفريقي الآسيوي للتكوين المهني والتقني، في خطوة عكست حضوره الأكاديمي والثقافي خارج حدود قطاع غزة أيضًا.

وعُرف اليافاوي كذلك ككاتب ومحلل سياسي، إذ نشر العديد من المقالات والدراسات المتعلقة بالتاريخ الفلسطيني الحديث والصراع العربي الإسرائيلي وقضايا اللاجئين والهوية الوطنية. كما ظهر بشكل متكرر في وسائل الإعلام الفلسطينية والعربية محللاً للشؤون السياسية والتاريخية، حيث كان يرى أن فهم الحاضر الفلسطيني يبدأ من فهم جذور القضية وتاريخها.
ويقول شقيقه خليل اليافاوي: إن "ناصر لم يكن يعيش التاريخ مهنة فقط، بل قضية شخصية وإنسانية ارتبطت بتفاصيل حياته اليومية منذ الطفولة".
ويضيف لصحيفة "فلسطين"، "منذ أن كنا أطفالاً في مخيم البريج، كان ناصر مختلفًا عن الجميع، يحب الجلوس مع كبار السن ليستمع إلى حكاياتهم عن يافا والتهجير والبحر والبيارات. وبينما كان الأطفال يلعبون في الشوارع، كان هو يحمل دفترًا صغيرًا يدوّن فيه أسماء القرى والمدن الفلسطينية وقصص الناس".
ويتابع: "كان يؤمن أن أخطر ما يُمكن أن يحدث للفلسطيني هو أن ينسى تاريخه. لهذا كان يرى أن التعليم والتوثيق نوع من المقاومة، حتى داخل البيت كانت أحاديثه دائمًا تدور حول فلسطين والتاريخ والهوية. لم يكن يتعامل مع التاريخ كأحداث جامدة، بل كحياة كاملة يجب أن نحافظ عليها".
صمود تاريخي
وبحسب شقيقه، فإن المؤرخ ناصر كان شديد التعلق بمخيم البريج رغم ظروفه القاسية. "عُرضت عليه فرص كثيرة للسفر والعمل خارج غزة، لكنه كان يرفض باستمرار. كان يقول لنا دائمًا: كيف أترك المكان الذي يحمل ذاكرة الناس؟ كان يشعر أن وجوده بين طلابه وأبناء المخيم واجب وطني".
"حتى خلال الحرب الأخيرة، رفض مغادرة المخيم رغم القصف والخطر. كنا نطالبه بالنزوح حفاظًا على حياته"، وفق شقيقه خليل، لكنه كان يُجيب: "إذا غادر المثقفون والأكاديميون فمن سيبقى مع الناس. كان مقتنعًا أن دور الأكاديمي لا ينتهي داخل قاعة المحاضرات، بل يجب أن يكون حاضرًا مع مجتمعه في أصعب اللحظات".
ويتابع خليل بصوت متأثر: "قبل استشهاده بأيام، كان يتحدث كثيرًا عن خوفه من ضياع الذاكرة الفلسطينية وسط هذا الدمار الهائل"، مستذكرًا عباره قالها له شقيقه الراحل ولم تفارقه مطلقًا: "الاحتلال لا يريد قتل الناس فقط، بل يريد قتل الحكاية الفلسطينية نفسها".
في السابع من يناير 2024، استشهد المؤرخ ناصر اليافاوي إثر قصف إسرائيلي استهدف محيط منزله في مخيم البريج، كما استشهد معه نجله براء. وأثار خبر رحيله حزنًا واسعًا في الأوساط الأكاديمية والثقافية الفلسطينية، حيث نعاه مثقفون وأكاديميون ومؤسسات تعليمية باعتباره واحدًا من أبرز الأصوات الفكرية التي كرست حياتها للدفاع عن الرواية الفلسطينية.
ورغم رحيله، ترك اليافاوي إرثًا فكريًا وأكاديميًا واسعًا، ارتبط بالدفاع عن الهوية الفلسطينية وتوثيق التاريخ الوطني، كما بقي حاضرًا في ذاكرة طلابه وقرائه وكل من عرفه داخل الأوساط الثقافية والتعليمية في غزة، فيما جسدت حياته صورة الأكاديمي الفلسطيني الذي جمع بين التعليم والبحث والعمل الوطني، قبل أن يُصبح واحدًا من آلاف المثقفين والأكاديميين الذين فقدتهم غزة خلال الحرب.

