في كل مرة تحضر فيها فلسطين في الملاعب، تثبت الرياضة أنها ليست مجرد منافسة على الألقاب، بل مساحة للدفاع عن القيم الإنسانية والعدالة.
وبين الدول الأوروبية التي ارتبط اسمها بمواقف داعمة للشعب الفلسطيني، تبرز إيطاليا كنموذج استثنائي امتد لعقود طويلة، وظل حاضرا في الذاكرة الفلسطينية منذ أيام مونديال 1982 وحتى اليوم.
في صيف عام 1982، وبينما كانت أنظار العالم تتجه إلى إسبانيا لمتابعة منافسات كأس العالم، كانت بيروت تعيش واحدة من أصعب فصول تاريخها الحديث، فقوات الاحتلال الإسرائيلي كانت تحاصر العاصمة اللبنانية منذ أسابيع طويلة في محاولة للقضاء على المقاومة الفلسطينية، فيما كان المدنيون الفلسطينيون واللبنانيون يواجهون القصف والدمار ونقص الغذاء والدواء تحت حصار استمر 88 يوما.
ورغم قسوة الحرب، لم يتخل الفلسطينيون واللبنانيون عن شغفهم بكرة القدم، ففي أوقات الهدنة القصيرة، كان الناس يتجمعون حول أجهزة التلفاز لمتابعة مباريات المونديال، مستخدمين بطاريات السيارات لتشغيلها في ظل انقطاع الكهرباء وصعوبة الحياة اليومية.
كما زادت المشاركة العربية عبر منتخبي الجزائر والكويت من ارتباط الجماهير العربية بالبطولة، ومنحتها بعدا خاصا في تلك الظروف الاستثنائية.
هدية لفلسطين
وفي خضم تلك الأحداث، جاء فوز المنتخب الإيطالي بلقب كأس العالم ليشكل لحظة استثنائية، فبعد الانتصار على ألمانيا الغربية بثلاثة أهداف مقابل هدف في المباراة النهائية، أهدى المنتخب الإيطالي لقب البطولة إلى الشعب الفلسطيني تعبيرا عن التضامن مع معاناته في ظل الحرب والحصار.
لم تكن تلك اللفتة مجرد موقف رمزي عابر، بل رسالة إنسانية ساهمت في تسليط الضوء على ما كان يتعرض له الفلسطينيون واللبنانيون من عدوان، في وقت حاولت فيه آلة الحرب الإسرائيلية فرض واقعها بالقوة.
ومنذ ذلك الحين، لم تغب فلسطين عن المشهد الرياضي الإيطالي. فعلى مدار العقود الماضية، استمرت مظاهر التضامن الشعبي مع القضية الفلسطينية في مختلف المدن الإيطالية، خصوصا في نابولي التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى واحدة من أبرز المدن الأوروبية الداعمة لفلسطين.
مواقف متجددة
ولم يكن من الغريب أن تتزين شوارع المدينة وجدرانها بالأعلام الفلسطينية وعبارات التضامن، وأن ترتفع تلك الأعلام خلال احتفالات جماهير نابولي بلقب الدوري الإيطالي قبل موسمين، في مشهد يعكس عمق التعاطف الشعبي مع الشعب الفلسطيني.
ومع استمرار حرب الإبادة التي يتعرض لها قطاع غزة، برزت مواقف جديدة تؤكد حضور القضية الفلسطينية في الوجدان الإيطالي، ففي المواجهة التي جمعت المنتخب الإيطالي بمنتخب الاحتلال الإسرائيلي ضمن تصفيات كأس العالم 2026، شهدت المدرجات مواقف تضامنية لافتة مع فلسطين، حيث عبرت الجماهير عن رفضها للجرائم المرتكبة بحق المدنيين الفلسطينيين، في رسالة واضحة بأن الشعوب الأوروبية ليست بالضرورة امتدادا للمواقف الرسمية لبعض الحكومات.
موقف أخلاقي
ولم تقتصر المواقف الإيطالية الداعمة لفلسطين على الجماهير والمشجعين، بل امتدت إلى أحد أهم مكونات كرة القدم الإيطالية. ففي أغسطس 2025، طالبت الجمعية الإيطالية لمدربي كرة القدم الاتحادين الدولي والأوروبي (فيفا ويويفا) بتعليق عضوية الاحتلال على خلفية الحرب على غزة، مؤكدة في رسالة رسمية أن ما يتعرض له الفلسطينيون، بمن فيهم الرياضيون والمدربون، يفرض على الأسرة الرياضية الدولية اتخاذ موقف أخلاقي واضح.
وشددت الجمعية على أن كرة القدم لا يمكن أن تنفصل عن القيم الإنسانية التي قامت عليها الرياضة، وأن الصمت أمام مشاهد القتل والدمار يتعارض مع المبادئ التي يفترض أن تدافع عنها المؤسسات الرياضية حول العالم.
كما لم تتوقف المبادرات الإيطالية عند حدود المواقف والبيانات، بل ترجمت إلى خطوات عملية، حيث كرّم الاتحاد الإيطالي لكرة القدم المدير الفني للمنتخب الفلسطيني إيهاب أبو جزر، في رسالة تضامن وتقدير للصمود الفلسطيني في وجه الظروف الاستثنائية التي تعيشها الرياضة الفلسطينية.
كذلك احتضن ملعب دييغو أرماندو مارادونا في نابولي قبل أيام مباراة تضامنية شارك فيها عدد من نجوم وقدامى لاعبي المنتخب الفلسطيني إلى جانب أسماء بارزة من نجوم الكرة الإيطالية السابقين، ورفرفت الأعلام الفلسطينية في المدرجات، بينما صدحت الهتافات المؤيدة لفلسطين في مشهد جسّد وحدة الرياضة مع القضايا العادلة.
وتتقاطع هذه المواقف مع أصوات أوروبية أخرى داعمة لفلسطين، من إسبانيا إلى شخصيات رياضية بارزة مثل بيب غوارديولا ولامين يامال وغيرهما ممن اختاروا الوقوف إلى جانب الضحايا والدفاع عن القيم الإنسانية في مواجهة القتل والتدمير.
ومع اقتراب انطلاق كأس العالم 2026، يبقى الأمل قائما بأن تستمر الرياضة في أداء دورها الأخلاقي والإنساني، وأن تظل الملاعب منصة لإيصال صوت الفلسطينيين إلى العالم، رغم أن المنتخب الإيطالي يغيب عن هذه النسخة.
فكما حملت إيطاليا رسائل التضامن قبل أكثر من أربعة عقود، لا تزال القضية الفلسطينية حاضرة في وجدان ملايين المشجعين الذين يرون في الحرية والعدالة قيما لا يمكن فصلها عن روح الرياضة الحقيقية.
من بيروت المحاصرة إلى غزة الجريحة.. إيطاليا وفية لفلسطين منذ مونديال 1982
فلسطين أون لاين