بين أنقاض المباني الجامعية المدمرة، يحاول آلاف الطلبة في قطاع غزة التمسك بحقهم في التعليم، بعدما تحولت جامعات كانت تضج بالحياة إلى ركام بفعل حرب الإبادة المستمرة. في حين لم يقتصر الاستهداف على الحجر فحسب، بل طال الأكاديميين والطلبة والبنية التعليمية كاملة، في محاولةٍ لشلّ أحد أهم القطاعات الحيوية في المجتمع الفلسطيني.
ومنذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023، شهد قطاع غزة حربًا غير مسبوقة في شدتها، امتدت على مدار أكثر من عامين، وأوقعت أكثر من 245 ألف شهيد وجريح، بينهم آلاف الطلبة والمعلمين، ودمّرت أكثر من 85 بالمئة من المنشآت التعليمية، وفق تقديرات وزارة التربية والتعليم. وقد تحولت المدارس إلى مراكز إيواء، والجامعات إلى ركام، في حين توقف التعليم الوجاهي كليًا، ولجأت وزارة التربية والتعليم بالتعاون مع مؤسسات أكاديمية إلى مبادرات محدودة للتعليم الافتراضي والمُدمج، وسط انقطاع الكهرباء وضعف الإنترنت ونزوح جماعي للسكان.
وبين التعليم الإلكتروني، والخيام الدراسية، ومحاولات ترميم ما تبقى من المباني الجامعية، يواجه قطاع التعليم العالي تحديات هائلة تهدد مستقبل جيل كامل من الطلبة الفلسطينيين.
استهداف شامل
ويؤكد الوكيل المساعد لشؤون التعليم العالي في وزارة التربية والتعليم بغزة د. أحمد أبو ندى، أن ما تعرضت له الجامعات يأتي في سياق استهداف شامل لمكونات المجتمع الفلسطيني، قائلاً: إن الجامعات مستهدفة كما الشعب الفلسطيني، ولم تبقَ شريحة من شرائح المجتمع ومؤسساته إلا وطالها الاستهداف، سواء المدارس أو الجامعات أو الأكاديميون أو الطلبة.
ويوضح أبو ندى في حديثه لصحيفة "فلسطين"، أن الجامعات حتى بعد توقف القصف في بعض المناطق، لا تزال عاجزة عن التعافي بسبب الحصار ومنع إدخال المستلزمات الأساسية للتعليم.
ويضيف، أن "الأزمة لم تعد مرتبطة بإعادة إعمار المباني فقط، بل بتوفير الحد الأدنى من أدوات العملية التعليمية، حتى القرطاسية والورق والحواسيب لا يسمح بإدخالها إلى قطاع غزة، ولا توجد فرصة حقيقية للتعافي في وجود الحصار المفروض على المستلزمات التعليمية".
وخلال الحرب، اضطرت مؤسسات التعليم العالي إلى اللجوء للتعليم الإلكتروني لكونه خيارا وحيدا لاستمرار العملية التعليمية، إذ أصدرت الوزارة تعليمات بالتحول التدريجي نحو التعليم الوجاهي، مع إعطاء الأولوية للمساقات العملية التي تتطلب حضورًا مباشرًا.
ويشير أبو ندى إلى أن الجامعات حاولت خلق بدائل مؤقتة بالرغم من شح الإمكانات، من خلال إنشاء مساحات تعليمية في بعض الجامعات أو في مؤسسات أخرى. ففي منطقة المواصي غرب خان يونس، جنوبي قطاع غزة، أُنشئت مدينة جامعية بالشراكة مع مؤسسة "علماء بلا حدود"، في حين تعمل جامعات أخرى مثل الأزهر والإسلامية والأقصى على ترميم أجزاء من مبانيها أو استحداث مساحات تعليمية مؤقتة لاستقبال الطلبة.
لكن هذه المحاولات، وفق أبو ندى، تصطدم بواقع قاسٍ يجعل البيئة التعليمية "طاردة"، مع استمرار الحرب والحصار وانعدام مقومات الحياة الأكاديمية.
وبحسب وزارة التربية والتعليم، يوجد في قطاع غزة 28 مؤسسة تعليم عالٍ، تعرض معظمها لأضرار جسيمة ومتفاوتة، في حين تعمل الوزارة حاليًا على خطط للتعافي تشمل تكييف القوانين واللوائح بما يناسب الظروف الاستثنائية التي يعيشها الطلبة.
ومن بين الإجراءات التي اتخذتها الوزارة، تعديل بعض الأنظمة الأكاديمية المتعلقة بالامتحانات الشاملة ومتطلبات التخرج، إلى جانب العمل مع مؤسسات دولية على إزالة الركام، وإنشاء مساحات تعليمية بديلة، وتطوير مناهج تلائم معايير التعليم في حالات الطوارئ.
خسائر فادحة
وفي الجامعة الإسلامية، التي تُعد واحدة من أكبر المؤسسات الأكاديمية في قطاع غزة، تبدو آثار الدمار أكثر وضوحًا.
يقول نائب رئيس الجامعة الإسلامية للشؤون الأكاديمية د. بسام السقا: إن "الجامعة تعرضت لدمار شبه كامل خلال الحرب"، موضحًا أن "16 مبنى من أصل 20 مبنى دُمرت بالكامل، في حين تعرضت المباني المتبقية للخراب والسرقة".
ويضيف السقا لصحيفة "فلسطين"، أن الخسائر لم تقتصر على الحجر، بل طالت البشر أيضًا، إذ فقدت الجامعة العشرات من كوادرها وطلبتها خلال الحرب، شأنها شأن بقية مؤسسات المجتمع.
ويؤكد السقا أن مقومات الحياة الأكاديمية انتهت تقريبًا داخل الجامعات الفلسطينية، مشيرًا إلى أن استئناف الدراسة بعد اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، جرى "على استحياء" بسبب غياب الإمكانات، وانعدام معظم مستلزمات إعادة تشغيل الحياة الجامعية.
وبحسب السقا، فإن حجم الأضرار داخل الجامعة الإسلامية يتجاوز 80 بالمئة من مكوناتها ومبانيها، في حين تُحاول إدارتها حاليًا ترميم بعض المباني القائمة لاستخدامها في التعليم الوجاهي بصورة محدودة.
وخلال الحرب، اعتمدت الجامعة بشكل كامل على التعليم الإلكتروني، قبل أن تبدأ تدريجيًا بإعادة بعض المساقات الوجاهية، مع التركيز على طلبة المستوى الأول، ضمن خطة للتوسع التدريجي خلال العام الدراسي المقبل، بحسب توفر الغرف الصفية الجاهزة.
ويشير السقا إلى أن خسائر الجامعة تُقدّر بمئات ملايين الدولارات، في وقت تعاني فيه الجامعات أصلًا أزمة مالية خانقة، نتيجة اعتمادها بشكل رئيس على الرسوم الدراسية، في حين يعيش معظم أهالي الطلبة أوضاعًا اقتصادية كارثية بسبب الحرب.
ويضيف: "الشعب الفلسطيني يريد الحياة والتعليم، والتعليم العالي تحديدًا من أولويات شعبنا، لكن الجامعات بحاجة ماسة إلى الدعم، سواء لإعادة الإعمار أو لمساندة الطلبة في دفع الرسوم الدراسية".
ولم تقتصر الخسائر عند المباني والموارد، إذ فقدت الجامعة الإسلامية وحدها نحو 80 موظفًا استشهدوا خلال الحرب، إضافة إلى أعداد كبيرة من الطلبة، وفق السقا.
ويرى نائب رئيس الجامعة الإسلامية للشؤون الأكاديمية، أن الاحتلال استهدف منذ بداية الحرب القطاعات الأكثر حيوية في غزة، وعلى رأسها التعليم والصحة، معتبرًا أن ضرب الجامعات لم يكن أمرًا عشوائيًا، بل جزءًا من محاولة ضرب مقومات الصمود الفلسطيني ومستقبل الأجيال القادمة.