تتجاوز أبعاد قرار إسرائيلي بالاستيلاء على 110 دونمات من أراضي بلدتي النبي صموئيل وبيت إكسا شمال غرب القدس من أهداف استيطانية إلى دينية وصولا لتفريع محيط المدينة المقدسة من السكان الأصليين وإحاطتها بحزام استيطاني يهودي.
ورغم تعرض البلدتين لعشرات القرارات الاستيطانية غير أن الأخير يبقى هو الأخطر تاريخيا ودينيا. بحسب عضو المجلس البلدي للقرية رمزي بركات.
وأصدرت سلطات الاحتلال قرارا يقضي بمصادرة نحو 110 دونمات من أراضي بلدتي النبي صموئيل وبيت إكسا شمال غرب القدس؛ تحت ذريعة "المصلحة العامة" ومشروع "تطوير وحفظ موقع أثري".
ويشمل قرار المصادرة مقام النبي صموئيل التاريخي، وهو معلم ديني بارز تديره دائرة الأوقاف الإسلامية، ويقع على قمة تلة ترتفع 885 مترا فوق سطح البحر، وتبعد 6 كيلومترات شمال غربي القدس.
ويتميز المسجد القائم بمعالم معمارية تعود إلى العهدين الأيوبي والمملوكي، ويضم ضريحا يعتقد المسلمون أنه يضم رفات النبي صموئيل، مما يجعله معلمًا إسلاميًا بالغ الأهمية.
ورغم المكانة الإسلامية إلا أن الاحتلال بدأ منذ عام 1967 بفرض تغييرات تدريجية على الموقع، مستندًا إلى رواية يهودية زائفة، وهو ما ترافق مع تقييد وصول الفلسطينيين إلى المسجد وتحويل أجزاء منه إلى كنيس يهودي وتقليص المساحات المخصصة لصلاة المسلمين.
الأخطر تاريخيا
وبحسب بركات فإن القرار الإسرائيلي الجديد يهدف في أبعاده الأساسية إلى تكريس السيطرة على محيط القدس ومصادرة مقام النبي صموئيل التابع لإدارة الأوقاف والشؤون الدينية التابعة للسلطة.
واستذكر بركات في حديثه لصحيفة "فلسطين" سلسلة قرارات إسرائيلية لمصادرة أراضي البلدة لصالح مشاريع استيطانية اقتصادية ترمي إلى تهويد البلدة ومعالمها التاريخية والأثرية.
وذكر أن جزء من الأراضي المحددة في القرار الإسرائيلي تخضع لأراضي الوقف الإسلامي والجزء الآخر منها أملاك خاصة، منبها إلى أن الاحتلال يمنع سكان البلدة البالغ مساحتها 4600 دونما من البناء عليها كونها مصنفة "أراضي خضراء" إسرائيليا.
والمصطلح المذكور بحسب سياسات الاحتلال خاصة في مدينة القدس والضفة الغربية إلى أراضٍ زراعية أو مفتوحة أعلنتها سلطات الاحتلال "مناطق خضراء" أو "حدائق وطنية"، وتفرض فيها قيود مشددة تمنع الفلسطينيين من البناء فيها، بينما تُستخدم لاحقاً كمبرر لمصادرتها لتوسيع المستوطنات أو ربطها.
ولأجل ذلك، أشار إلى أن سلطات الاحتلال تحاول إخراجها من تصنيف "مناطق خضراء" إلى مناطق صالحة للسكن، فعمدت على طرح مشروع لتجميع سكان البلدة في بناء سكاني جديد يبعد نحو 3 كيلو عن المركز.
ونتيجة لجدار الضم والتوسع الإسرائيلي تقلصت مساحة البلدة من 4600 دونم إلى 1050 فقط، وتقلص أعداد سكانها حاليا لنحو 250 نسمة، بعد معاناة قاسية مع الاحتلال وقيوده الحياتية ومصادرة الأراضي وهدم المنازل.
تهجير سكان البلدة
وحذر هنا من خطورة القرارات الإسرائيلية الرامية إلى تهجير سكان البلدة المتبقين فيها وذلك على غرار القرارات الإسرائيلية ضد التجمعات البدوية في القدس وأبرزها الخان الأحمر.
وسبق أن هدمت سلطات الاحتلال منازل البلدة عام 1971؛ بذريعة الحفاظ على الأثار، رغم أن تاريخ البلدة وسكانها يعود إلى قبل الاحتلال الإسرائيلي، وفي عام 1995 أعلنت سلطات الاحتلال المنطقة المحيطة بالبلدة "حديقة قومية واستولت على آلاف الدونمات تحت هذا التصنيف، ما أدى إلى عزلها وتحويلها إلى جيب محاصر داخل نطاق السيطرة الإسرائيلية.
كما حذر بركات من خطورة المخطط الجديد الذي يستهدف تحديدا مقام النبي صموئيل، وبالتالي فإن الهدف الديني يتمثل في تغيير الطابع العربي والإسلامي للموقع وتحويله تدريجيا إلى مزار يهودي خاضع بالكامل للسيطرة الإسرائيلية.
ووفق محافظة القدس فإن سلطات الاحتلال تستخدم ملف الآثار أداة سياسية لفرض سيادتها على المكان، مشيرة إلى أن الحفريات التي تنفذها منذ مطلع التسعينيات لم تقدم أدلة تثبت الرواية التوراتية التي تروج لها، فيما أظهرت معالم وآثارًا إسلامية واضحة، أبرزها المسجد التاريخي نفسه.
ورغم ذلك، تواصل الجهات الإسرائيلية تقديم الموقع في المنشورات السياحية واللوحات الإرشادية باعتباره موقعًا ذا طابع يهودي، مع تغييب شبه كامل للرواية العربية والإسلامية المرتبطة بالمكان.
كما وثقت المحافظة استخدام أجزاء من المسجد ومحيطه لأغراض عسكرية وأمنية، إلى جانب تنظيم فعاليات ذات طابع تهويدي، والاستيلاء التدريجي على أجزاء من المبنى وتحويلها لخدمة الطقوس اليهودية.
وأدانت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، القرار الإسرائيلي، وعدته جزءًا من سياسة تهدف إلى خنق المسجد وعزله بالكامل عن محيطه الفلسطيني، وتحويله إلى "موقع أثري يهودي بقوة السلاح".
قرارات تهويدية
ويربط الباحث في شؤون القدس مازن الجعبري، القرار الإسرائيلي الجديد بمصادرة أراضي البلدة ومسجد "النبي صموئيل" التاريخي شمال القدس بذات السيناريو والقيود التهويدية التي فُرضت سابقا على ساحات الحرم الإبراهيمي الشريف في الخليل.
وذكر الجعبري في منشور عبر "فيسبوك" أنه بات واضحا أن هذا الاستهداف الممنهج يأتي ضمن استراتيجية احتلالية أوسع تهدف إلى إحكام السيطرة المطلقة على الأماكن الدينية والمعالم الأثرية الفلسطينية الشاهدة على عروبة الأرض.
وفي العمق التحليلي، أوضح أنها تندرج هذه الخطوة المتسارعة تحت ما يُعرف بـ"خطة الحسم" الرامية إلى فرض واقع كولونيالي إحلالي شامل على كامل الجغرافيا في فلسطين التاريخية، وهو ما يشير في الوقت ذاته وبمرارة إلى عمق الأزمة الناجمة عن غياب رؤية سياسية فلسطينية موحدة وفاعلة قادرة على مجابهة هذه التحديات الوجودية.
وهنا، حث الناشط بركات أبناء شعبنا إلى التواجد المكثف في بلدة النبي صموئيل والصلاة في مسجدها للحفاظ على المقام ومكانته الإسلامية؛ كأحد أدنى الخطوات الفلسطينية لمواجهة القرار الإسرائيلي.
يشار إلى أن سلطات الاحتلال صادرت في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، 444 دونما المحيطة بموقع سبسطية الأثري في الضفة الغربية المحتلة. وقبل أيام، أغلق جيش الاحتلال الحرم الإبراهيمي في الخليل، لأجل غير مسمي، في خطوة اعتبرت على نطاق واسع تقويضا للإدارة الفلسطينية للموقع الإسلامي.