قائمة الموقع

قلعة الشقيف.. هل هي معركة ميدان أم صناعة صورة؟

2026-06-01T09:03:00+03:00
الدخان يتصاعد من قلعة الشقيف شرق مدينة النبطية جراء غارات إسرائيلية تستهدفها
فلسطين أون لاين

عادت قلعة الشقيف في جنوب لبنان إلى واجهة المشهد مع إعلان الاحتلال الإسرائيلي سيطرته عليها ورفع علمه فوق موقع لطالما ارتبط بتاريخ طويل من المواجهات، غير أن هذا التطور رغم طابعه الميداني المباشر، يفتح بابا للتساؤل عن دلالاته الفعلية، هل يعكس تحولا استراتيجيا في ميزان القوى، أم أنه يندرج ضمن سياق توظيف الاحتلال للرموز ذات القيمة التاريخية في الحرب الإعلامية المرافقة للعمليات العسكرية؟

وأمس، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي سيطرته على قلعة الشقيف الواقعة فوق مرتفع استراتيجي في قضاء النبطية جنوب لبنان، مشيرا إلى أنها أصبحت تحت سيطرته بعد اشتباكات ميدانية وغطاء ناري مكثف.

وتقع القلعة فوق بلدة أرنون على ارتفاع يتجاوز 700 متر عن سطح البحر، ما يمنحها قدرة على الإشراف على مساحات من جنوب لبنان وصولا إلى الحدود الفلسطينية المحتلة، وتطل مباشرة على نهر الليطاني ووادي السلوقي ووادي الحجير وسهل مرجعيون، كما تكشف في الاتجاه المقابل مستوطنة المطلة ومناطق في الجليل الأعلى، ما جعلها عبر العقود نقطة ذات أهمية عسكرية.

تبلغ مساحتها نحو 1.6 كيلومتر مربع، بطول 160 مترا، وعرض 100 متر، ورغم صغر مساحتها، فإن طبيعتها الجبلية جعلتها موقعا شديد الحساسية في منظومة المراقبة والسيطرة الميدانية، خصوصا في بيئة جغرافية معقدة مثل جنوب لبنان.

تاريخيا، ارتبطت قلعة الشقيف بمحطات بارزة من الصراع في المنطقة، خصوصا خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، حين شهدت مواجهات عنيفة بين قوات الاحتلال الإسرائيلية ومقاتلي الفصائل الفلسطينية. ومنذ ذلك الوقت اكتسبت القلعة بعدا رمزيا تجاوز وظيفتها العسكرية المباشرة، لتصبح جزءا من ذاكرة الصراع الممتدة في الجنوب اللبناني.

وتندرج التطورات الأخيرة في قلعة الشقيف ضمن سياق المواجهة المستمرة بين جيش الاحتلال الإسرائيلي وحزب الله، اذ تشهد المنطقة منذ أشهر طويلة اشتباكات تتراوح بين القصف المدفعي والغارات الجوية والردود الصاروخية.. وتعتبر هذه الجبهة من أكثر الساحات اشتعالا منذ اندلاع التصعيد الأخير، مع استمرار محاولات الاحتلال الإسرائيلي توسيع نطاق عملياته شمال الحدود، مقابل تمسك حزب الله باستراتيجية الاستنزاف ومنع تثبيت وقائع ميدانية جديدة.

صناعة صورة نصر

الخبير في الشؤون الاستراتيجية والعسكرية الدكتور محمد هزيمة، يرى أن الإعلان الإسرائيلي عن السيطرة على القلعة لا يمكن فصله عن البعد الإعلامي للحرب.. فبحسب قراءته، لا يتعلق الأمر بمجرد تقدم ميداني، بل بمحاولة لصناعة "صورة نصر" موجهة إلى الداخل الإسرائيلي في ظل ضغوط سياسية وعسكرية متراكمة.

ويضيف الخبير اللبناني أن القيمة الرمزية للقلعة تفوق في هذه المرحلة أهميتها العملياتية المباشرة، إذ تمثل موقعا يحمل دلالات تاريخية في الوعي العسكري الإسرائيلي، لذلك فإن رفع العلم فوقها لا ينبغي قراءته كحدث ميداني فقط، بل كجزء من معركة رواية متكاملة تحاول (تل أبيب) من خلالها إعادة صياغة صورة الإنجاز العسكري.

ويشير هزيمة إلى أن التركيز على المواقع الرمزية في الحروب الحديثة يعكس تحولا في طبيعة الصراع، حيث لم تعد السيطرة الجغرافية وحدها معيارا للانتصار، بل أصبحت القدرة على إنتاج الصورة والتأثير في الرأي العام جزءا أساسيا من المعادلة العسكرية.

ومن هذا المنطلق، يرى أن ما جرى في الشقيف لا يمكن فصله عن سياق أوسع من الحرب النفسية والإعلامية الإسرائيلية، التي تستخدم فيها المواقع ذات القيمة التاريخية لإرسال رسائل تتجاوز حدودها الميدانية. فالصورة التي يظهر فيها جنود الاحتلال داخل القلعة تحمل في طياتها أبعادا تتعلق بالردع والانطباع السياسي أكثر من كونها مؤشرا على تغيير جذري في ميزان السيطرة.

تكلفة مرتفعة

ويؤكد هزيمة في حديثه لصحيفة "فلسطين"، أن قراءة الحدث تتطلب العودة إلى طبيعة الجغرافيا الجنوبية نفسها، حيث لا تعني السيطرة على مرتفع واحد إمكانية فرض استقرار ميداني طويل الأمد؛ فالتضاريس المعقدة، إلى جانب طبيعة المواجهة المفتوحة، تجعل من الصعب تحويل أي تقدم لجيش الاحتلال إلى واقع ثابت دون كلفة مستمرة.

كما يلفت إلى أن التطور في وسائل الحرب الحديثة، خصوصا الطائرات المسيرة وأنظمة الاستطلاع البعيد، قلل من القيمة التقليدية للمرتفعات العسكرية المطلة، رغم أنها لا تزال تحتفظ بأهمية نسبية في إدارة بعض جوانب الميدان.

ويذهب هزيمة إلى أن الاحتلال الإسرائيلي يحاول من خلال هذه السيطرة تحقيق هدفين متوازيين: الأول ميداني يتعلق بتوسيع نطاق الحركة في الجنوب، والثاني إعلامي يهدف إلى تعزيز صورة جيش الاحتلال في مواجهة انتقادات داخلية متزايدة حول إدارة الحرب.

تحديات وتحولات استراتيجية

غير أن هذا التوظيف، بحسب رأيه، لا يلغي حقيقة أن الحروب في جنوب لبنان غالبا ما تحسم على مستوى الاستنزاف الطويل وليس عبر السيطرة السريعة على النقاط الحاكمة، وهو ما يجعل من المبكر اعتبار ما جرى تحولا استراتيجيا حاسما.

ويشير إلى أن التجارب السابقة في المنطقة تثبت أن السيطرة على الأرض لا تكتمل إلا بقدرة مستدامة على الاحتفاظ بها، وهو ما يمثل التحدي الأكبر في بيئة قتالية نشطة ومعقدة مثل الجنوب اللبناني.

وفي سياق أوسع، يربط هزيمة بين التطورات الميدانية والضغوط السياسية الإقليمية، معتبرا أن كل تحرك عسكري يقرأ أيضا في إطار توازنات أوسع تشمل أطرافا إقليمية ودولية، ما يجعل أي إنجاز ميداني جزءا من لعبة سياسية أكبر.

ويرى هزيمة أن قلعة الشقيف اليوم لم تعد مجرد موقع عسكري أو أثري، بل تحولت إلى ساحة رمزية تتقاطع فيها الجغرافيا بالتاريخ والإعلام والسياسة. وبينما تسعى إسرائيل إلى تقديم السيطرة عليها كإنجاز ميداني، يبقى السؤال مفتوحا حول ما إذا كان هذا الإنجاز قابلا للتحول إلى واقع استراتيجي مستقر، أم أنه سيظل ضمن إطار الرسائل المؤقتة في حرب طويلة لم تحسم بعد

اخبار ذات صلة