انقضى شهر مايو/ أيار بعد أسابيع ثقيلة على الغزيين الذين عاشوا "أسوأ شهور التهدئة" الهشة الممتدة منذ أكتوبر/ تشرين أول العام الماضي، بحسب وصف منظمة حقوقية، وسط مجازر إسرائيلية متصاعدة وقصف لأحياء سكنية وتقليصات غذائية تنذر بعودة التجويع وتفاقم الأزمات الإنسانية القائمة أصلا.
واغتالت (إسرائيل) منتصف الشهر المنصرم القائد العام لكتائب القسام الشهيد عز الدين الحداد (55 عاما) بعد إلقاء عدة صواريخ وقنابل حارقة صوب شقة سكنية في حي الرمال بمدينة غزة، أسفرت عن استشهاده برفقة عائلته ومواطنين آخرين.
ولاحقا، أقدمت طائرات الاحتلال ليلة عيد الأضحى المبارك على اغتيال خليفته القائد محمد عودة برفقة أسرته بذات الطريقة، وقتلت مواطنين آخرين كانوا يتسوقون حاجيات العيد وسط مدينة غزة.
كما اغتالت مساء اليوم الأول من العيد قائد كتائب القسام في حي الزيتون عماد اسليم وقتلت مواطنين آخرين في المنطقة السكنية، وبذلك أحصت وزارة الصحة استشهاد 33 مواطنا وإصابة 130 آخرين، في سلسلة غارات جوية إسرائيلية على غزة خلال عيد الأضحى.
ولم يتوقف جيش الاحتلال على ذلك فحسب، بل عمد إلى سياسة "إخلاء الأحياء السكنية" تمهيدا لقصف أهداف ما، الأمر الذي أسفر عن دمار كبير في المنازل والمربعات السكنية وتحديدا في مخيمات وسط القطاع وحي الشاطئ غرب مدينة غزة.
النزوح القسري
وبذلك عادت (إسرائيل) لإجباء المدنيين على النزوح القسري إلى الطرقات وتركهم في العراء دون حاجيات أو مستلزمات حياتية بعدما طال القصف الإسرائيلي منازلهم ومستلزمات المعيشية.
وقالت مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان إن استمرار استهداف المدنيين وعناصر الشرطة المدنية الذين يؤدون أعمالا مدنية تتعلق بحفظ النظام العام وتقديم الخدمات للمواطنين، "يشكل انتهاكاً جسيماً لأحكام القانون الدولي الإنساني، واتفاقيات جنيف، التي تحظر استهداف المدنيين والأعيان المدنية، وتجرّم الهجمات العشوائية وغير المتناسبة".
وخلال حفل إسرائيلي، شارك فيه رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، لم يخف الأخير أطماعه في غزة المدمرة، حيث أعلن سيطرة الجيش حاليا على 60% من القطاع، وأن هناك توجيهات لزيادة المساحة لتصل 70 بالمائة.
وكان وزير جيش الاحتلال يسرائيل كاتس، عقب اغتيال جيشه للقائد عودة، كرر تصريحاته بتنفيذ خطة تهجير سكان غزة، قائلا إنها "ستُنفذ في التوقيت والطريقة المناسبين".
تقليصات وجوع
وفي مايو المنصرم أيضا الذي وصفته المؤسسة الحقوقية السابقة بأنه "أسوأ شهور التهدئة"، أعلنت منظمة "المطبخ المركزي العالمي" تقليص عملياتها الغذائية في غزة إلى مستويات الطهي التي كانت تعتمدها قبل دخول الاتفاق حيز التنفيذ، موضحة أن القرار جاء نتيجة "ضغوط مالية".
وأحدث القرار المفاجئ الذي بموجبه سرحت المنظمة أزيد عن 450 عاملا في مطابخها، حالة من الخوف بين النازحين في غزة الذين يعتمدون بوجباتهم اليومية على "المطبخ المركزي" والمطابخ الخيرية المتعاونة معها.
وكانت المنظمة تنتج يوما نحو مليون وجبة طعام ساخنة، وحاليا أبقت على 200 ألف وجبة فقط، وهو الأمر الذي قوبل باحتجاجات شعبية غاضبة أمام مقرها بمدينة دير البلح ومناطق أخرى.
وتبع ذلك وقف منظمة الأغذية العالمي إمداداتها مع مؤسسة الإغاثة الإنسانية التركية (IHH) الأمر الذي تسبب بقطع المساعدات الغذائية اليومية عن عشرات آلاف النازحين.
واعتبرت حركة المقاومة الإسلامية حماس تصعيد حكومة الاحتلال عدوانها ضد المدنيين في أنحاء القطاع يشير إلى سعيها للعودة إلى وتيرة حرب الإبادة الوحشية التي استمرت لعامين كاملين على غزة، ضاربة بعرض الحائط جهود الدول الضامنة، وكل الضمانات والتعهدات التي قطعتها لإنفاذ اتفاق وقف إطلاق النار.
واستهجن الناطق باسم حماس حازم قاسم الصمت المطبق لما يُسمّى "مجلس السلام" ومديره التنفيذي نيكولاي ميلادينوف تجاه التصريحات الإسرائيلية الخطيرة، معتبرا أن ذلك يشكّل انتهاكاً صريحاً لخطة وقف الحرب والتفاهمات المعلنة بشأن القطاع.
حصار وأزمات متفاقمة
ومن وجهة نظر، مدير المكتب الإعلامي الحكومي د. إسماعيل الثوابتة، فإن الأوضاع الإنسانية في غزة تتجه نحو الأسوأ، مشيرا إلى أن سلطات الاحتلال لم تلتزم بالبروتوكول الإنساني لاتفاق وقف إطلاق النار من العام الماضي.
وأوضح الثوابتة في حديثه لصحيفة "فلسطين" أن غزة تعاني نقصا حادا ومتفاقما في مستلزمات الإيواء، الأدوية والمستلزمات الصحية، المواد الغذائية الأساسية، الوقود وغاز الطهي، مواد البناء وتأهيل البنية التحتية وغيرهما.
وأشار إلى أن ما يدخل غزة لا يتجاوز فعليا 37 بالمائة من إجمالي الشاحنات المتفق عليها، الأمر الذي يعرقل استعادة الحياة الطبيعية واستمرار الخدمات الأساسية، منوها إلى أن الاتفاق نص على إدخال 600 شاحنة يوميا بينها 50 شاحنة وقود.
وبين الحين والآخر، تحذر وزارة الصحة واتحاد بلديات غزة من انهيار خدماتهما نتيجة نقص الوقود والزيوت وقطع غيارات المولدات الكهربائية المتهالكة بفعل الإبادة الإسرائيلية.
وأكد أن سلطات الاحتلال تمارس حصارا عسكريا مشددا على غزة بحرا وبرا وجوا، وتمنع تدفق المساعدات الإنسانية والخدماتية والصحية للحيلولة دون عودة الحياة للمجالات المختلفة.
تداعيات إنسانية خطيرة
ولذلك، جدد الثوابتة تحذيره من التقليصات الجديدة للمؤسسات الإغاثية العاملة في غزة، التي ستخلف تداعيات إنسانية خطيرة ومباشرة على الأطفال والمرضى وكبار السن، مشددا على أن استمرار هذه التقليصات من شأنه أن يزيد من تفاقم حالة الهشاشة الإنسانية، ويرفع من مخاطر المجاعة والأمراض المرتبطة بسوء التغذية.
ووفقا للأرقام الدولية فإن برنامج الأغذية العالمي، أكد أن نحو 1.6 مليون شخص في قطاع غزة أي قرابة 77 في المئة من إجمالي السكان، يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد.
وإزاء المعطيات السابقة، خلصت مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان إلى أن شهر أيار/مايو كان "الأسوأ على سكان قطاع غزة منذ وقف إطلاق النار" في ظل شبه منع كامل للمساعدات الإغاثية والتنوع الغذائي.
وحذرت المؤسسة الحقوقية من تداعيات استمرار حرب الإبادة الجماعية وسياسات الحصار والتجويع التي تفرضها سلطات الاحتلال على أكثر من مليوني إنسان في غزة المدمرة.