لم تعد الحرب الدائرة في قطاع غزة، التي تطوي عامها الثالث، نزاعاً عسكرياً محكوماً بالقواعد الكلاسيكية للاشتباك، بل تحولت في ميزان القانون الدولي الإنساني إلى مخطط تصفية معلن وجناية دولية مستمرة.
إن التزامن الصادم بين تصريحات رئيس وزراء الاحتلال بالتوجه نحو احتلال 70% من رقعة القطاع، وإيعاز وزير جيشه بفرض "التهجير القسري" تحت المسمى المضلل "الهجرة الطوعية"، يسقط القناع الأخير عن الطاولات الدبلوماسية.
هذه التصريحات تكشف للعالم أن ما يجري خلف كواليس المسار التفاوضي ليس سعياً لسلام أو تسوية، بل هو عملية "إكراه مادي ومعنوي مفسد للإرادة"، يُراد منها انتزاع صك استسلام فلسطيني بقوة السلاح والتجويع.
من منظور القانون الدولي وعلم الاستراتيجية، تضعنا هذه التطورات أمام أبعاد ثلاثة تفكك مشهد القوة الواهم وتكشف ملامح الانهيار القادم:
أولاً: الحاضنة الشعبية وإبطال إستراتيجية "الإنهاك"
إن استهداف البنية المدنية، وتدمير المستشفيات، والمخابز، وشبكات المياه، وحرمان السكان من مقومات الحياة الأساسية في رقعة محاصرة لا تتجاوز 365 كيلو متراً مربعاً، يُنتج وفق مبادئ القانون الدولي الإنساني بيئة ضغط قصوى.
عندما يعجز جيش نظامي عن تحقيق "الحسم العسكري" طوال سنوات، فإنه ينتقل لعقيدة "الإنهاك الديموغرافي" لمعاقبة الحاضنة الشعبية.
غير أن ثبات الشعب الفلسطيني على أرضه فوق الركام يُعد عنصراً مادياً حاسماً يحرم الاحتلال من ترجمة تفوقه الناري إلى مكاسب سياسية.
هذا الثبات هو الإحباط الفعلي والشرعي الأول لمخطط التهجير؛ فطالما بقي الإنسان على أرضه، يظل القانون الدولي يعترف بحقه الوجودي، ويبقى اندفاع آلة الحرب بلا أفق فيزيائي يدور في حلقة مفرغة.
ثانياً: بطلان الاتفاقيات في ميزان "اتفاقية فيينا"
تنص اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات (1969) في مادتها (52) صراحة على: "بطلان أي اتفاق يتم التوصل إليه نتيجة التهديد باستعمال القوة أو استخدامها".
وبناءً عليه، فإن جولات التفاوض التي تُعقد تحت وطأة التهديد باحتلال ما تبقى من الأرض، أو قطع الإمدادات الإنسانية، هي "تفاوض بالنار" يسلب الإرادة الحرة.
إن ما يُبنى على إرادة مسلوبة هو والعدم سواء في العرف القضائي الدولي.
وهنا تتحمل الأطراف الوسيطة والضامنة مسؤولية قانونية وتاريخية لمنع تحويل المفاوضات إلى منصة ابتزاز ديبلوماسي بدماء المدنيين، وعلى المفاوض الفلسطيني ألا ينصاع لرسائل التخويف بل أن يمسك بـ "مسطرة القانون" التي تجعل أي تنازل تحت الإكراه باطلاً بطلاناً مطلقاً لا يترتب عليه أي أثر شرعي مستقبلاً.
ثالثاً: قادة الاحتلال في مواجهة "لعنة العقد الثامن"
أما انتم يا من تديرون آلة الموت هذه .. أما وقد بلغتم هذا المفرق، فإن كلمة تقال لكم مباشرة
إلى بنيامين نتنياهو وحكومته:
إن التاريخ لا يُمحى بالدبابات، ولا تُعاد صياغته بالقوة العسكرية، مهما بلغ مستوى الإفراط في استخدامها. فهناك سنن سياسية وديمغرافية راسخة، لا تتغير بتبدل الخطابات ولا بانفعالات اللحظة.
إن ما يُسمّى في بعض الأدبيات “لعنة العقد الثامن” ليس إلا توصيفًا متداولًا داخل النقاشات السياسية الإسرائيلية حول هشاشة البنى الداخلية عند مفاصل زمنية حرجة، غير أن ما يجري اليوم لا يحتاج إلى نبوءات أو تأويلات، بل يكفي النظر إلى الواقع الناتج عن السياسات المتراكمة: مزيد من الاستقطاب الداخلي، اهتزاز في الثقة المؤسسية، وتآكل متسارع في الصورة الدولية.
لقد أسهمت سياسات القوة المفرطة في دفع الكيان إلى حالة عزلة سياسية متزايدة، حيث تتقلص مساحات القبول الدولي، وتتوسع دوائر المساءلة القانونية، وتتراجع قدرة الخطاب الرسمي على التأثير في الرأي العام العالمي.
إن ما جرى في غزة لم يعد قابلاً للفصل عن المسار القانوني الدولي، حيث تتقدم ملفات التوصيف الجنائي أمام آليات العدالة الدولية، بما في ذلك المسارات المرتبطة بجرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية، وفق الاختصاصات المقررة في النظام الدولي.
وفي هذا السياق، لم تعد الحسابات الاستراتيجية التقليدية قادرة على إنتاج “نصر سياسي” بالمعنى الذي يُراد تسويقه، بل باتت الوقائع تتجه نحو مسار مختلف تمامًا: مسار المساءلة، والتوثيق، وتراكم الأدلة، وتوسع نطاق العزلة القانونية والدبلوماسية.
إن العالم لا يتعامل اليوم مع رواية واحدة، بل مع ملف مفتوح أمام مؤسسات قانونية دولية، ومع بيئة سياسية لم تعد تمنح حصانة مجانية لأي طرف، مهما امتلك من أدوات القوة أو النفوذ.
وبناءً عليه، فإن المعادلة لم تعد معادلة تفوق عسكري، بل معادلة زمن قانوني يتقدم بهدوء لكنه لا يتراجع.
إن الإرادة الحرة هي الركن الجوهري لأي اتفاق دولي مشروع، والتاريخ يعلمنا أن الاتفاقيات التي تُكتب بحبر الإكراه تموت بموت صانعيها.
يخرج الشعب الفلسطيني من هذه السنوات الثلاث أكثر ثقة بضعف هذا الكيان الذي بات يرى زواله رأي العين في حسابات عقده الثامن، وتظل غزة بأهلها هي الحقيقة الجغرافية والديموغرافية الثابتة على الأرض ويخرج الفلسطينيين شاهدين وقضاة على جرائم الاحتلال، والعدالة الدولية قادمة لا محالة.