في اعترافات صادمة ووحشية، أقر جندي إسرائيلي سابق شارك في الإبادة الجماعية على غزة بأن وحدته العسكرية قتلت فلسطينيين عزلا، واستخدمت مدنيين دروعا بشرية وشاركت في عمليات هدم ممنهجة.
وأكد أنّ ما ارتكبه جيش الاحتلال خلال الحرب كان "غير قانوني" و"غير أخلاقي".
وفي شهادة أدلى بها لمنظمة "كسر الصمت"، ونشرتها مجلة "الإيكونوميست" البريطانية، أكد الجندي، الذي عرّف عن نفسه باسم مستعار هو "جوناثان"، أن استهداف كل ذكر في "سن القتال" – وهو النهج الذي امتد أحياناً ليشمل أشخاصاً خارج هذا التصنيف – أدى إلى مقتل فلسطينيين أبرياء.
وأوضح أن التدمير المنهجي في غزة لم يكن نتيجة قرارات فردية اتخذها الجنود الميدانيون، بل كان سياسة معتمدة، مشيراً إلى أنه يشعر اليوم بالذنب والعار تجاه ما شارك فيه خلال الحرب.
وتُعد منظمة "كسر الصمت" منظمة إسرائيلية تُعنى بتوثيق شهادات الجنود بشأن الانتهاكات المرتكبة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتسعى إلى دحض الرواية الإسرائيلية الرسمية التي تحصر جرائم الحرب في تصرفات فردية معزولة.
ووفقاً لشهادة الجندي السابق، اعتمدت القوات الإسرائيلية على افتراض أن أي شخص بقي في منطقة ما بعد صدور أوامر الإخلاء وتعرضها للقصف قد تلقى تحذيراً مسبقاً، رغم أن هذا الافتراض لا يحظى باعتراف القانون الدولي للنزاعات المسلحة.
وأشار جوناثان إلى أن جميع الرجال في سن القتال داخل غزة كانوا يُعتبرون أهدافاً مشروعة، قائلاً: "مفهوم سن القتال فضفاض للغاية، فقد يشمل أشخاصاً تتراوح أعمارهم بين 16 و60 عاماً، وربما أصغر من ذلك، ومعظم الذين قتلتهم وحدتي لم يكونوا مسلحين".
وتابع: "كانت هناك حالات قتلت فيها وحدتنا أعداداً كبيرة من الأشخاص من دون التحقق مما إذا كانوا يرتدون زياً عسكرياً أو يحملون أسلحة".
دروع بشرية
وبحسب الاعترافات، أجبر الجيش أسرى فلسطينيين على دخول المباني قبل الجنود لتفادي الكمائن المحتملة أو فتح الخزائن، أو رفع مراتب الأسرة خشية وجود عبوات ناسفة، في ممارسة عُرفت باسم "بروتوكول البعوض"، والتي بدأ العمل بها بعد تزايد خسائر الكلاب المستخدمة في كشف المتفجرات.
وذكر جوناثان أن وحدته استخدمت شاباً فلسطينياً في هذا الدور، موضحاً أن الجنود لم يناقشوا الأبعاد الأخلاقية للممارسة، بل اعتبروها حلاً عملياً لتعويض النقص في الكلاب المدرّبة على كشف المتفجرات.
وأشار إلى أن الجيش نفى في البداية استخدام الفلسطينيين دروعاً بشرية بعد نشر شهادات جمعتها منظمة "كسر الصمت"، قبل أن يقرّ ضابط كبير لاحقاً بأن الأمر نوقش بالفعل مع قادة عسكريين.
ولم يقتصر الأمر على "بروتوكول البعوض"، بحسب التقرير، بل شمل أيضاً ما أُطلق عليه اسم "الدبابير"، وهم فلسطينيون جرى إحضارهم من الضفة الغربية وإلباسهم زي الجيش الإسرائيلي، إضافة إلى ما عُرف بـ"القنادس"، وهم لاجئون سودانيون عُرضت عليهم تصاريح إقامة مقابل استكشاف الأنفاق.
غياب الاستراتيجية
وأوضح جوناثان أن وحدته شاركت بشكل متواصل في العمليات العسكرية داخل غزة خلال السنة الأولى من الحرب، في فترات تراوحت بين أسبوع وشهر.
واستذكر أن الجنود على الأرض لم يكونوا يدركون كيف تندرج مهامهم ضمن الاستراتيجية العامة للحرب، مشيراً إلى أن عمليات الهدم تحولت إلى المهمة الرئيسية لوحدته، بل لمعظم وحدات المشاة الإسرائيلية في القطاع، مع تقديم مبررات عملياتية مختلفة لذلك.
وقال إن الإحباط أخذ يتزايد في صفوف الجنود مع استمرار الحرب، لافتاً إلى أنه، شأنه شأن عدد من الجنود الآخرين، كان يعتقد أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يطيل أمد الحرب لتحقيق أهداف سياسية.
وتابع: "حتى المتشددون والمتطرفون في وحدتي أدركوا أن هناك غياباً للاستراتيجية"، مضيفاً أن بعض جنود الاحتياط امتنعوا عن الالتحاق بجولات الخدمة بسبب اعتراضات أخلاقية على الحرب.
"أشعر بالعار"
وعن تجربته الشخصية، قال جوناثان إنه عندما عاد في إجازة إلى أسرته سأله أفراد عائلته: لماذا تُحرق البيوت في غزة؟ وأضاف: "بدا السؤال بسيطاً، لكنني لم أكن قد فكرت فيه من قبل، ولم تكن لدي إجابة مقنعة".
وتابع: "لم أستطع تفسير هذا الدمار باعتباره ضرورة عسكرية. لم يكن الأمر يتعلق بالأمن أو بهزيمة حماس، بل كان شيئاً آخر. هناك أحياء كاملة اختفت تماماً".
وأشار إلى أن وحدته أُعيد نشرها في مناطق سبق أن "طهّرتها"، موضحاً أن كل شخص في تلك المناطق كان يُصنَّف على أنه "إرهابي"، فيما كانت كلمة "قذر" تُستخدم للإشارة إلى الفلسطينيين عبر أجهزة الاتصال اللاسلكية.
وأكمل: "في نظر كثير من الإسرائيليين والجنود، كل فلسطيني في غزة إرهابي. وإذا كان طفلاً فهو إرهابي محتمل في المستقبل، وإذا كانت امرأة فهي أم محتملة لإرهابي مستقبلي".
واختتم الجندي السابق شهادته بالقول: "اليوم لست فخوراً بكوني إسرائيلياً أو جندياً سابقاً، فهذا أمر يشعرني بالعار".

