قائمة الموقع

من مضمار الركض إلى سرير العلاج.. محمد عبدان يطارد الحياة بقدم واحدة

2026-05-29T17:34:00+03:00
الشاب محمد عبدان قبل إصابته
فلسطين أون لاين

لم يكن الشاب محمد عمر عبدان يتخيل أن خروجه لساعات قليلة برفقة أصدقائه، هربًا من ضيق الحرب وخوفها، سيحوّل حياته إلى رحلة طويلة من الألم والانتظار، ففي ديسمبر/كانون الأول 2023، وبعد أيام ثقيلة عاشها تحت القصف والتوتر، قرر ابن الثالثة والعشرين أن يلتقط أنفاسه قليلًا مع مجموعة من أصدقائه، لعلهم ينسون أصوات الطائرات والانفجارات ولو للحظات، لكن السماء التي لم تهدأ منذ بداية الحرب كانت تخبئ لهم مصيرًا آخر.

فقد استهدفتهم طائرة استطلاع إسرائيلية بصاروخ مباشر، فاستشهد صديقه وابن عمه على الفور، فيما أصيب محمد وآخرون بإصابات بالغة. لحظات قليلة كانت كفيلة بأن تسرق من محمد حياته التي عرفها، وأحلامه التي كان يركض خلفها على مضمار الرياضة.


 

يروي والده عمر لصحيفة "فلسطين" تلك اللحظات بصوت يثقله الوجع قائلاً: "عندما علمت بالخبر ذهبت مسرعًا إلى مستشفى الأقصى أبحث عنه بين المصابين، كنت أدعو الله فقط أن أجده حيًا، وبعد عناء وجدته ملقى على الأرض، في وضع لا يوصف، وقد أصيب في قدميه الاثنتين، حاول الأطباء وقتها أن يطمئنوني وقالوا إن وضعه ليس خطيرًا".

عملية جراحية

ولكن الواقع كان أكثر قسوة مما توقع الجميع، خضع محمد لعملية جراحية في كعب قدمه اليمنى في محاولة لإنقاذها، غير أن حالته بدأت تتدهور سريعًا. التهابات حادة، تغير لون القدم إلى الأسود، وخروج الدود منها نتيجة المضاعفات الخطيرة وانعدام الظروف الطبية المناسبة، لتتحول محاولات الإنقاذ إلى سباق مع الموت.

يقول والده بحرقة: "كنا نتمسك بأي أمل حتى لا تُبتر قدمه، لكن الوضع ازداد سوءًا، واضطر الأطباء لاتخاذ قرار البتر من أسفل الركبة. فلم يكن القرار سهلًا علينا أبدًا، لكنه كان الخيار الوحيد لإنقاذ حياته".

ومع تدهور الأوضاع الأمنية في محيط مستشفى شهداء الأقصى، جرى نقل محمد إلى مستشفى آخر، وهناك كانت الصدمة الثانية؛ إذ اكتشف الأطباء وجود تسوس في العظم، ما استدعى إجراء عملية بتر جديدة من فوق الركبة، إضافة إلى عمليات رقع جلدية متتالية.

أما قدمه اليسرى، فلم تكن أفضل حالًا، فقد أصيبت بكسور وتهتك شديد في العظام، وأصبح يعاني من سقوط دائم في القدم، ما استلزم سلسلة طويلة من العمليات الجراحية وتركيب صفائح بلاتينية تمتد على طول الساق.

تفاصيل حياة

اليوم، يعيش محمد تفاصيل حياة مختلفة تمامًا؛ حياة تدور بين الغيار الطبي اليومي، والأدوية، والمسكنات، والجلد المكشوف الذي لم يلتئم بعد. لم يعد الشاب الرياضي الذي يركض لساعات طويلة في الملاعب، بل شابًا يحاول كل يوم أن يقاوم الألم ويتمسك بما تبقى من أحلامه.

يقول محمد وهو يسترجع لحظة إصابته: "رغم صعوبة المشهد وقتها كنت مستوعبًا ما يحدث حولي، وأول شيء دعوت الله به أن أبقى حيًا، حتى لو انتهى الأمر ببتر قدمي، فكنت أظن أنني قادر على تحمل ذلك، لكن بعد فترة بدأت أدرك حجم المعاناة الحقيقية".

يصمت قليلًا، ثم يكمل بصوت خافت: "أكثر ما يؤلمني أن الإصابة حرمتني من الشيء الذي أحببته طوال حياتي، كنت عداءً في فريق المستقبل، وكنت أحلم قبل الحرب أن ألتحق بمنتخب فلسطين، كنت أعيش لأجل هذا الهدف".


 

لم تتوقف معاناة محمد عند حدود الإصابة، بل امتدت إلى رحلة علاج شاقة ومؤجلة، فقد حصل على تحويلة طبية للعلاج خارج غزة، لكنه لا يزال حتى اليوم ينتظر دوره للسفر، واقفًا على قدم واحدة، بين الألم والأمل.

رحلة علاج

ويكمل بإصرار رغم كل شيء: "رغم طول الانتظار لم أفقد الأمل، أعرف أن رحلة العلاج بعد السفر ستكون طويلة وصعبة، وسأبدأ من الصفر، فأحتاج إلى عمليات لنحت العظمة البارزة في القدم المبتورة، وتعديل الكاحل، وتركيب طرف صناعي، لكنني متمسك بالأمل، لأنني أريد أن أعود للحياة من جديد".

محمد الذي كان يطارد حلمه على مضمار الركض، فأصبح يطارد فرصة للعلاج، وأمنية بسيطة بأن يتمكن يومًا من الوقوف مجددًا على قدميه، ولو بقدم صناعية.

اخبار ذات صلة