بالرغم من استمرار تداعيات الحرب والحصار المشدد الذي يفرضه الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة برّاً وبحراً وجوّاً، نجحت مجموعة من الشباب المطورين والمبتكرين في إطلاق فعاليات "هاكثون البنّائين | Builders Hackathon". ويأتي هذا الحدث التقني كخطوة عملية لتحدي المعوقات المفروضة على القطاع، عبر استغلال التكنولوجيا الحديثة وأدوات الذكاء الاصطناعي لبناء مشاريع رقمية تخدم المجتمع المحلي.
الهاكثون الذي تنفذه مؤسسة "ايلاند هافين" (Island Haven) بالشراكة مع منصة "ريبليت" (Replit) العالمية، يهدف إلى توفير مساحة عمل تقنية تجمع المبرمجين والمصممين وأصحاب الأفكار، لمساعدتهم على تجاوز العزلة الجغرافية والاقتصادية التي يعاني منها القطاع جراء سنوات الحصار الطويلة وتدمير البنية التحتية.
في مقر الهاكثون، يتوزع المشاركون على طاولات عمل جماعية يملؤها التركيز والنشاط. قسموا أنفسهم إلى مجموعات حيث يتبادلون النقاشات السريعة حول كيفية تحسين الاكواد البرمجية
داخل القاعة ايضا يركزون بالكامل على لوحة المفاتيح لكتابة الأسطر البرمجية عبر منصة "ريبليت". ملامح المشاركين هنا تعكس حجم الإرهاق الناتج عن الظروف المعيشية في غزة، لكن إصرارهم على الاستمرار يظهر بوضوح في طريقة تعاملهم مع التحديات التقنية، محاولين تحويل أفكارهم إلى أدوات حقيقية تكسر قيود الحصار الممتد.
بدوره يقول مهند جندية، مدير مجتمع "ايلاند هافين" في غزة والجهة المنفذة للمشروع، أوضح أن تنظيم هذا الحدث في ظل الظروف الحالية يمثل تحدياً كبيراً ومباشراً لسياسات الاحتلال.
وقال جندية: "يفرض الاحتلال حصاراً تقنياً ومعيشياً خانقاً على غزة، يشمل قطع الكهرباء المستمر، وضعف شبكات الإنترنت، ومنع دخول المعدات والأجهزة اللوجستية الحديثة، إلى جانب تدمير المؤسسات التعليمية والجامعات. أمام هذا الواقع، كان لا بد لنا من إيجاد مخرج لشبابنا، وجاء هذا الهاكثون ليثبت أن صناعة الحلول الرقمية يمكن أن تنطلق من أكثر البيئات تعقيداً في العالم."
وأضاف جندية متحدثاً عن التعاون الدولي: "لقد حرصنا على بناء شراكة إستراتيجية مع منصة **Replit** العالمية، وهي واحدة من أهم المنصات في مجال تطوير البرمجيات السحابية والذكاء الاصطناعي. هذه الشراكة تكتسب أهمية مضاعفة لأنها تتيح للمطور الغزي تجاوز قيود الحدود والمعابر المغلقة، وتربطه مباشرة بأحدث التقنيات العالمية عبر الحوسبة السحابية، مما يمنحه فرصة حقيقية للمنافسة والعمل دون الحاجة للسفر".
وحول طبيعة المشاريع الناشئة في الهاكثون، أشار جندية إلى أن الفرق المشاركة تعمل خلال فترة مكثفة من العمل المتواصل على **تطوير 15 فكرة ريادية من الصفر**، وتحويلها إلى نماذج أولية قابلة للتطبيق الفعلي والنمو المستقبلي.
وأكد أن جميع هذه الأفكار لم تأتِ من فراغ، بل نبعت من الاحتياجات اليومية للمواطنين في قطاع غزة؛ حيث تركز المشاريع على ابتكار حلول برمجية في مجالات الإغاثة الإنسانية، وإدارة الرعاية الطبية الرقمية، وتوفير بدائل للتعليم الإلكتروني لتعويض الطلاب عما فاتهم نتيجة تدمير المدارس والجامعات.
وختم جندية حديثه بالإشارة إلى أن الرؤية الأساسية لـ "Island Haven" هي تمكين الشباب واقتصار المسافات بينهم وبين سوق العمل العالمي عبر الاقتصاد الرقمي. فامتلاك المهارات البرمجية الحديثة يعد بمثابة أداة صمود تمكّن الشاب في غزة من الإنتاج والاعتماد على نفسه مالياً، حتى لو كان يدير عمله من داخل خيمة أو بيت متضرر.
أثبت "هاكثون البنّائين" أن الحصار والدمار لم يفلحا في عزل عقول شباب غزة عن مواكبة التطور التقني، وأن الكود البرمجي أصبح اليوم واحداً من أدوات الصمود وإثبات الوجود في وجه محاولات التجهيل والإقصاء.