قائمة الموقع

رزان خيرة.. عدّاءة كانت تركض نحو الأولمبياد فانتهت إلى قائمة مبتوري غزة

2026-05-26T16:46:00+03:00
رزان خيرة

"كنت نائمة ووجدت نفسي لا أستطيع الوقوف على قدمي بعدما استيقظت مذعورة على صوت قصف عنيف لبيتين مجاورين"، من هول المشهد وتطاير الشظايا والدخان استجمعت رزان عماد خيرة (24 سنة) وهي عداءة رياضية قواها وقفزت على قدمٍ واحدة تحاول الفرار من الشظايا التي أصابتها من غرفتها باتجاه صالون بيتها، لتنظر إلى قدمها التي لم تشعر بها، تكاد تنفصل عن جسدها، وبقيت جلدة واحدة تمسك الطرف الذي وشك على البتر نتيجة القصف مع باقي الجسد، في لحظة أدركت أن أحلامها الرياضية دفنت هنا.

على صوت ألم كبير، وصراخ، تجمع أفراد عائلتها والنازحون داخل منزلهم والذين كانوا قرابة 60 فردًا حولها، ليحملها شقيقها على الفور، رغم قسوة المشهد الذي أسقطه مرتين لا من ثقل شقيقته بل من فداحة المشهد الذي لم يقوَ قلبه على حمله.

 وقع القصف يوم 19 نوفمبر/ تشرين أول 2023، الساعة العاشرة والنصف مساءً، بعد قصف الاحتلال لمنزلين بارتفاع ثلاثة طوابق لكل منزل مجاورين لمنزل آل "خيرة" أغلق الطريق أمام عملية إسعاف المصابين، ما استغرق ساعة إضافة لأجل الوصول لسيارة الإسعاف، في وقت كانت كل مستشفيات مدينة غزة خارجة عن الخدمة.

 كلماتها تحمل ثقل الحزن الذي لم يفارقها منذ ذلك اليوم، تروي لصحيفة "فلسطين" وهي تجلس بمنزلها بحي الدرج وتضع طرفًا بات بوابتها لمواكبة الحياة: "كانت قدمي معلقة بجلدة واحدة تتحرك يمينيًا ويسارًا، أصبت بغرفتي وكان يوجد بتلك الغرفة 20 نازحًا، الجميع كان في حالة صدمة، نقلت لعيادة الدرجة بعد ساعة ونصف من الاستهداف بسبب إغلاق ركام البيتين المدمرين الطريق".

انتزاع روح

عندما وصلت مستوصف الدرج القريب، ربط ممرض قدمها التي توشك على البتر بأنبوب المحاليل ثم كان يطلب منها الصراخ بصوت مرتفع والدعاء: "يا رب" فكانت تردد: "يارب" تزرف الدموع، وأثناء ذلك قص الجلدة التي كانت تربط قدمها بجسدها: "شعرت كأنه انتزع روحي مني، وجرى التنسيق لي ونقلي بسيارة إسعاف لمستشفى الإندونيسي شمال القطاع وكان الوحيد الذي يعمل".



بالرغم من قسوة مشهد قص الجلد الذي يمسك القدم بالجسد عليها، لم يكن أقسى من وضع قدمها بقربها على الحمالة الطبية، تلك القدم التي كانت تجوب مضامير الملاعب والشوارع بها أثناء مارثون الجري، لم تكن تفهم معنى البتر وتعتقد أنه سيجرى لها عملية لوصل قدمها من جديد داخل المشفى، يملأ الانكسار كل تفصيلة ترويها: "كنت أحضن قدمي أثناء نقلي بالإسعاف، لا أعرف من أين جاءتني هذه القوة، فلم أفهم معنى البتر وماذا يعني أن يفقد الإنسان قدمه؟، وأنني سأستطيع المشي".

وتحكي عن لحظة وصولها المشفى: "كان قسم الطوارئ مليئا بالمصابين الملقون على الأرض والشهداء، وضعت بجانبهم وظلت قدمي تنزف حتى منتصف الليل، ونسبة دمي أصبحت 3.5، كنت مصابة بعيني التي كانت تنزف وقدمي ورأسي وظهري وقدماي الاثنتين. حتى جاء الطبيب وقال لي إنه سيقوم بإجراء العملية الجراحية بمخدر "موضعي" فرفضت وأخبرته أني لن أستطيع تحمل رؤية قدمي تقص وتنظف قلت له: "أنا مش حمل اللي راح تعملوه".

قبل أن تكمل رفضها للطبيب، قصف الاحتلال الطابق الثالث من المشفى وسادت حالة من الفوضى بين المصابين، لتمر ساعات إضافية من استمرار النزيف الذي بدأ يهدد حياتها، لفتاة أصيبت بقصف وذهبت للمشفى بوضع خطر وقصف المستشفى في جريمة مركبة ارتكبها الاحتلال وكانت شاهدة عليها.

صباح جديد

 بدأ الممرضون بإحضار أعداد جديدة من المصابين، لم تتذكر رزان شيئا بعد ذلك، إلا عندما حل الصباح وفتحت عيناها قرابة السادسة والنصف صباحا، لتجد نفسها نائمة على الأرض ورأسها مسند على باب غرفة العمليات.

 تعيد فتح الجرح: "كنت أتمنى أن يكون أهلي بقربي، أو الممرضين والأطباء، كان أبي يذهب للبحث عن كرسي متحركي لنقلي بها لأن جيش الاحتلال اقترب وحاصر المشفى".

لم يستطع والدها البالغ من العمر 63 سنة حملها، بعدما لم يجد كرسي متحرك، تحكي: "وجدنا سلة لها علاجات كالتي تستخدم في التسوق بالمولات، ففرغ أبي الأدوية منها ووضعني بها، وقال لي: "طالعين حاملين روحنا على كفنا" وخرجنا من باب المشفى الخلفي، مع اقتراب الدبابات من بوابة المشفى وكانت الطائرات تجوب السماء، وسرنا 12 كيلو مترًا حتى وصلنا بيتنا".

تصف مشهد الطريق بأنه أشبه بـ "يوم القيامة" كون الاحتلال أصدر أوامر إخلاء لكل شمال القطاع، يقفز أمامها المشهد الذي لا تنساه: "أجهد أبي أثناء دفع تلك السلة، تمنينا لو أحد يستطيع مساعدتنا ولم نجد، لأن الناس كانت تركض وكل شخص يحمل أطفاله وأغراضه".

حلم من الصغر

لم تختر رزان أن تكون عداءة رياضية، بل ولد الحلم معها، كونها تنحدر من عائلة رياضية فوالدها وعمها لاعبي كرة قدم، وجميع أفراد العائلة وأبناء العم يمارسون الرياضة، لتترعرع منذ طفولتها على حب الرياضة والركض، كبرت وكبر الحلم معها. تقول عن حلمها الضائع بصوت وملامح مكسورة: "عندما كنت في رياض الأطفال كنت أحمل حقيبتي وأذهب مع أبي وأركض. شاركت بمسابقات مدرسية عديدة في الركض وعلى مستوى المديريات وانتقلت من المدارس إلى الملاعب وكنت أتدرب ثلاثة أيام أسبوعيًا".

كانت التدريبات تقتصر على رزان وفتيات جمعهن حب هذه الرياضة، لكن النظرة المجتمعية لفتاة تمارس رياضة الركض كانت عائقًا أمام التوسع في اللعبة، لكن حلمها بالظفر بالأولمبياد العالمية ورفع علم فلسطين كان كبيرا، وكانت تحلم بالسفر للمشاركة بتلك المسابقة، إلا أن حرب الإبادة أغلقت بوابة الحلم أمامها، ودمرت كل شيء.


 

تلامس تلك الذكريات: "كنا نتدرب ثلاثة أيام أسبوعيا. وأحيانا كنا نمشي لعدة كيلو مترات. وكنا ننظم بطولات داخلية بيننا ونتنافس وكانت عزيمتنا قوية".

تحاول رزان التكيف مع واقعها الجديد وعدم الاستسلام للإعاقة والبتر وفقد جزء من قدمها، كانت ترتدي طرفًا بقدمها المبتورة، ويرتدي صوتها نبرة إصرار على تحدي الإعاقة قائلة: "أحاول التعايش، وأن أبقى قوية وألا استسلم، وأمارس الرياضة. ركبت طرفا مؤقتا وتخلصت من العكاكيز التي أرهقتني منذ الإصابة، لأن الإنسان لا يستطيع فعل شيء بقدم واحدة، فكنت أثناء استخدام العكاكيز أحتاج لمن يساعدني حتى في شرب الماء لأن قدمي غير المبتورة مصابة بقطع بالأوتار والشرايين".

كثيرا كانت تحاول الوقوف على قدم واحدة للتدرب على التوازن أثناء استخدام العكاكيز والطرف بالرغم من ثقل الطرف الموجود إذ يبلغ وزنه 5 كغم.

أجبرت الإصابة والبتر رزان على تغيير رياضتها من مضمار الضاحية إلى كرة القدم للمبتورين، إذ تجتمع مع فتيات من ذوي الإعاقة بملعب رياضي بمدينة دير البلح كل يوم خميس من كل أسبوع من الساعة العاشرة صباحا حتى الواحدة ظهرا، وجدت فيه تفريغا نفسيا وملتقى بأشخاص يشاركونها نفس القصة والفقد، لكنها لم تتخل عن رياضتها، وتحكي بإصرار: "حاليا لا أستطيع تركيب طرف رياضي، وعندما يتوفر  سأعود للركض".

وتصف لعبة كرة القدم للمبتورين بأنها محاولة للتكيف مع الإعاقة، وتقول: "تعرفت على صديقات جدد، نفضفض لبعضنا، نشجع بعض على تقوية أجسادنا وممارسة اللعبة".

ومن واقع تجربتها، تؤكد رزان في رسالتها لمصابي البتر أن "الحياة ستمضي بقدم أو بدونها، ولن يشعر بك سوى نفسك، يجب أن تستعيد قوتك، وتركب طرفا".

ورزان خيرة واحدة من 5 آلاف شخص تعرض للبتر في غزة، بينهم أطفال ونساء، وفتيات لم ترحمهم الإبادة التي انتزعت جزءًا عزيزًا من أجسادهم، وأوقفت أحلامهم وطموحاتهم.

اخبار ذات صلة