قائمة الموقع

عيدُهُنّ السادس بلا عائلة.. بناتُ الخالاتِ الثلاث يتجرّعن اليُتم عَلْقَمًا

2026-05-26T12:34:00+03:00
مها العرعير (8 أعوام) وغزل الكباريتي (11 عامًا) ومِنّة أبو فضة (10 أعوام)
فلسطين أون لاين

مع تعالي تكبيرات عيد الأضحى من مآذن ما تزال شاهدة على الحرب، تزدحم أسواق غزة بأناس يبحثون عن فرحةٍ صغيرة وسط الدمار. أمهات يخرجن لشراء ملابس وأحذية جديدة لأطفالهن، وآباء يُساومون على أسعارها، بينما تتعالى أصوات الباعة وتتكدّس الأكياس في الأيدي المُرهقة. وسط هذا كله، لم يكن في المشهد ما يُشبه العيد بالنسبة لثلاث طفلات، بنات خالات، سوى الأصوات القادمة من بعيد.

غزل الكباريتي (11 عامًا)، ومِنّة أبو فضة (10 أعوام)، ومها العرعير (8 أعوام)، ثلاث طفلات لا تربطهن صلة القرابة فحسب، بل يتقاسمن مأساة الفقد ووجع اليُتم منذ أن أصبحن ناجيات وحيدات من مجزرة ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي إبّان الحرب على غزة.

في العيد السادس بعد المجزرة، لم تعد الطفلات الثلاث يحتفظن بشيء من أحلامهن بحياة دافئة، أو لعبة صغيرة، أو عيدية من أيدٍ حانية، بقدر ما يُحاولن إعادة ترتيب ما تبقى من ذكرياتهن الجميلة، بعدما اختطف القصف أمهاتهن وآباءهن وإخوتهن وأقارب آخرين، اختفوا جميعًا دفعة واحدة.

الهروب إلى الموت

قبل حرب الإبادة، كانت غزل تعيش مع عائلتها حياة هادئة في منزل بحي الشجاعية، شرقي مدينة غزة. ورغم أنها لم تكن حياةً مترفة، إلا أنها كانت كافية لتمنحهم قدرًا من السعادة.

وعندما اندلعت الحرب، يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وما رافقها من قصف عنيف وجرائم مروّعة، تغيرت حياة العائلة بالكامل. فقد اشتد القصف على الحي المكتظ بالسكان، ورافقه نشر جيش الاحتلال خرائط إخلاء تُحذّر السكان من البقاء في مناطق وصفها بأنها "مناطق قتال خطيرة"، لتجد العائلة نفسها أمام واقع قاسٍ قلب حياتها رأسًا على عقب.

"كانت الأوضاع صعبة جدًا في الشجاعية، أصوات الانفجارات لا تهدأ، وكل شيء هناك مهدد بالقصف في أي لحظة.. صار النزوح والبحث عن مكان آخر أمرًا ضروريًا"، قالت غزل بنبرةٍ مثقلة بالحزن.

وتحت وطأة الخوف، خرجت العائلة من منزلها بحثًا عن ملاذ آمن. وبعد أيام من المعاناة، استقروا في مدرسة أحمد شوقي، التي تحولت إلى مركز لإيواء النازحين في حي الرمال الجنوبي.

وأضافت غزل: "اعتقدنا أن مركز الإيواء مكان آمن، لكن على العكس تمامًا".

لم تمضِ سوى أسابيع قليلة على وصولهم هناك، حتى وجدوا أنفسهم مُجبرين على الخروج مجددًا.

في ساعة متأخرة من مساء الأحد، 28 يناير/ كانون الثاني 2024، بدأ جيش الاحتلال توغلًا بريًا مفاجئًا. رتلٌ عسكري يضم عشرات الدبابات والجرافات وناقلات الجند، مدعومًا بغطاء جوي كثيف، تقدّم من الجهة الشمالية الغربية لمدينة غزة، حتى وصل إلى محيط المقر الإقليمي لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا"، القريب من مركز الإيواء الذي نزحت إليه غزل وعائلتها.

ليلتها، باتت غزل في قلب الحدث. وفي اللحظات التي بدأ فيها الليل يختلط باليوم التالي، شعر والداها بالخطر بعدما أحاط الموت بأطفالهما.

كانت أصوات الانفجارات والاهتزازات كفيلة ببث الرعب في قلوبهم. وفي لحظة اختلط فيها الخوف بأزيز الرصاص وهدير الآليات والطائرات الحربية المحلّقة على علوٍ منخفض، خرج فوج من النازحين من مركز الإيواء إلى الشارع بحثًا عن النجاة.

لم يكن أمامهم الكثير من الوقت، فكل حركة في منطقة يتوغل فيها جيش الاحتلال برًا، قد تكلّفهم حياتهم.

تصف غزل المشهد قائلة: "واجهنا ظروفًا مروّعة في تلك الليلة. قصف لا يتوقف، وطائرات تحلّق بكثافة في الأجواء، فيما كانت أصوات الدبابات تقترب منّا".

ورغم قسوة المشهد، استطاعت غزل برفقة والدها أحمد الكباريتي (39 عامًا)، ووالدتها سناء (34 عامًا)، وأشقائها الثلاثة: سمير (15 عامًا)، أمير (12 عامًا)، عبد الله (5 أعوام)، قطع مئات الأمتار حتى وصلوا إلى منزل أحد الأقارب قرب برج الطباع، المقابل لساحة السرايا، وسط مدينة غزة.

وصدف أن كانت اثنتان من خالاتها وأبناؤهن ونازحون آخرون بانتظارهم في المنزل الذي لجؤوا إليه، هربًا من الموت.

في ذلك الوقت، شعرت غزل وعائلتها بشيء من الارتياح، بعدما اعتقدوا أنهم وصلوا إلى برّ الأمان. قالت بصوت خافت لوالدتها: سنكون بخير. لكن لم تمضِ سوى ساعة واحدة حتى تغيّر المشهد بِرُمته.

انفجار وأشلاء

"فجأة، رأيت ضوءًا أحمر لمع في وجهي، ثم اختفى كل شيء. لم أسمع شيئًا، فقط شعرت بالركام يتساقط فوقي"، قالت غزل وهي تحاول وصف اللحظات الأولى للمجزرة.

في ذلك الوقت، كانت الساعة تُشير إلى الثانية عشرة والنصف فجر الاثنين، 29 يناير/ كانون الثاني 2024، عندما شنّت مقاتلات الاحتلال غارة أسقطت خلالها قنبلتين ثقيلتين استهدفتا المنزل مباشرة، ودمرته فوق رؤوس من كانوا فيه.

تحت الركام، كانت غزل تصارع من أجل البقاء، إذ كادت الكتل الإسمنتية أن تُزهق حياتها، فيما غطى الغُبار جسدها وملأت رائحة البارود رئتيها. وعايشت المشهد ذاته ابنتا خالتيها، منّة محمد أبو فضة ومها رشاد العرعير، إذ نجت الطفلات الثلاث وبقين محاصرات تحت أنقاض المنزل.

ولحسن حظهن، مرّ أحد المواطنين أمام المنزل المستهدف، ورغم تصاعد القصف سمع صوت غزل وهي تنادي طلبًا للنجاة. ورغم صعوبة الوضع الأمني، تمكن من إبلاغ الدفاع المدني، الذي استجاب عناصره سريعًا لإنقاذ ما تبقى من الأرواح.

ما إن وصلت طواقم الدفاع المدني، حتى تكشّفت فصول المجزرة؛ ركامٌ هائل لطوابق خرسانية انهارت فوق بعضها، وجثامين شهداء غطاها غُبار القصف وتناثرت على بُعد عشرات الأمتار، فيما علّقت شظايا الانفجار أشلاء الضحايا على الأشجار المحيطة بالمكان.

وسط هذا، بقيت الطفلات الثلاث، وفقًا لقولهن لصحيفة "فلسطين"، أكثر من 10 ساعات تحت الركام. لم يكن هناك مزيد من الوقت، فطلب أحد المنقذين من غزل أن تلقي حجرًا لتحديد موقعها.

ناجيات يمتن يوميًا

وبمجرد أن ألقته، بدأ عناصر الدفاع المدني بإزالة الركام بأدوات بدائية حتى تمكنوا من انتشالهن مع ناجين آخرين. كانت الطفلات الثلاث في وضع مأساوي؛ إذ أصيبت غزل بجروح بالغة، فيما تعرّضت منّة لكسور حادة أدت إلى انفصال إحدى ساقيها عن عظام الحوض، بينما غطّت الحروق وجه مها وأجزاء من جسدها النحيل.

ولم تقتصر الغارة على إزهاق أرواح عائلة غزل، بل قتلت أيضًا جميع أفراد عائلة منّة: والدها محمد أبو فضة (44 عامًا)، ووالدتها وفاء (43 عامًا)، وأبناؤهما الثلاثة: محمود (18 عامًا)، أحمد (16 عامًا)، حسين (15 عامًا)، وبنيهما؛ نور (10 أعوام)، وجنى (عامين).

كما فقدت مها عائلتها بالكامل: والدها رشاد العرعير (36 عامًا)، ووالدتها هناء (34 عامًا)، وأشقاؤها الثلاثة: محمد (11 عامًا)، منير (13 عامًا)، ومرح (14 عامًا). في حين أسفر القصف الإسرائيلي عن استشهاد 21 شخصًا دفعة واحدة، بعدما حوّل المنزل إلى كتلة من الركام والموت، فيما نجا 8 أفراد فقط، من بينهم بنات الخالات الثلاث.

لاحقًا، تعافت الطفلات الناجيات من إصاباتهن الجسدية، لكن آثار الفاجعة ما تزال تطاردهن؛ إذ لم تغادر أذهانهن مشاهد أفراد عائلاتهن الذين مزقتهم الغارة وحوّلت أجسادهم إلى أشلاء.

في غرفة صغيرة، جدرانها مغطاة بآثار الحروق داخل مركز إيواء للنازحين، تعيش غزل مع جدتها لوالدها، هدى الكباريتي (66 عامًا). تجلس على طرف فراش مهترئ، لا تملك سوى شهادات وفاة تقلبها كلما اشتاقت لأمها وأبيها وإخوتها.

أما منّة، فتعيش في منزل عمتها شريهان أبو فضة، غربي مدينة غزة، حيث وجدت ملاذها الأخير بعد فقدان عائلتها وكل ما تملك، فيما تحاول عمتها احتواءها بما تبقّى من دفء وحنان يخففان قسوة اليتم والفقد.

أما مها، أصغر الناجيات، فلا تتوقف عن السؤال عن عائلتها، وتستعيد تفاصيل الأعياد التي كانت تجمعهم. اليوم تعيش في منزل عمها بحي الدرج وسط مدينة غزة، فيما تزداد ملامح الفقد وضوحًا مع كل عيد يوقظ جراحها من جديد.

منذ المجزرة الإسرائيلية، مضت ستة أعياد وبنات الخالات الثلاث ما زلن يواجهن واقعًا فرضته الحرب عليهن، إذ يفتقدن دفء العائلة التي غيّبها القصف في لحظة واحدة، فيما لم يعد العيد بالنسبة لهن مناسبة للفرح، بل موعدًا متكررًا مع الغياب، يستحضر وجوهًا كانت تملأ البيت حياة وضحكًا ثم تحوّلت إلى ذكرى موجعةٍ

اخبار ذات صلة