في قطاع غزة، تتفاقم معاناة الأشخاص الصم وذوي الإعاقة السمعية بصورة غير مسبوقة مع استمرار الحرب وتداعياتها الإنسانية القاسية. ولا تقتصر التحديات التي يواجهونها على فقدان الأمان والنزوح وانقطاع الخدمات الأساسية، بل تمتد إلى عزلتهم عن المعلومات الحيوية والتعليمات الطارئة، نتيجة غياب الترجمة بلغة الإشارة وضعف وسائل التواصل المهيأة لهم، ما يضعهم أمام مخاطر مضاعفة خلال الأزمات.
ويقول المختص في شؤون الإعاقة السمعية فضل كراز، إن أوضاع الأشخاص الصم في قطاع غزة قبل الحرب كانت تحمل جانبًا من التحديات المرتبطة بالدمج المجتمعي، لكنها شهدت في الوقت ذاته اهتمامًا نسبيًا في مجالات التعليم والتأهيل المهني.
ويوضح، لصحيفة "فلسطين"، أن مؤسسات متخصصة ومشاريع تشغيلية كانت توفر فرص عمل ودعمًا مهنيًا للأشخاص الصم، إلى جانب مدارس وجامعات فلسطينية كانت تقدم خدمات تعليمية وتأهيلية تراعي احتياجاتهم، وتساعدهم على تطوير قدراتهم ومهاراتهم المختلفة، قبل أن تتوقف معظم هذه الخدمات بشكل كامل نتيجة الحرب.
ويشير كراز إلى أن الحرب والعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وما رافقهما من قصف وانفجارات وإصابات مباشرة، أدّيا إلى زيادة كبيرة في أعداد الأشخاص الذين يعانون من إعاقات سمعية بدرجات متفاوتة.
ووفق دراسة أعدّتها جمعية أطفالنا للصم في مدينة غزة، ارتفع عدد الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية بصورة كبيرة، إذ قُدّرت الزيادة بنحو 35 ألف شخص، بعد أن كان العدد قبل الحرب يقارب 20 ألفًا، ليصل الإجمالي إلى نحو 55 ألف شخص يعانون من مشكلات سمعية بدرجات مختلفة، في ظل نقص حاد في الخدمات السمعية، بما يشمل السماعات الطبية وبطارياتها وقطع الصيانة، نتيجة الحصار وتداعيات الحرب.
ويؤكد المختص أن هذه الزيادة تعكس حجم التأثير المباشر وغير المباشر للحرب، إذ تسببت الانفجارات العنيفة والإصابات الجسدية في ظهور حالات فقدان سمع جديدة، تختلف حدتها من حالة إلى أخرى.
ويضيف أن بعض هذه الحالات يكون مؤقتًا وبسيطًا، بينما يصل بعضها الآخر إلى فقدان سمع متوسط أو شديد أو دائم، خصوصًا في الحالات الناتجة عن الانفجارات القوية أو الإصابات المباشرة.
ويتابع كراز أن فقدان السمع ليس نوعًا واحدًا، بل يتدرج بين فقدان جزئي وكلي، وقد يصيب أذنًا واحدة أو كلتا الأذنين، كما تتفاوت شدته بين الخفيف والمتوسط والشديد والعميق، ويتم تحديد ذلك عبر الفحوصات الطبية والسمعية المتخصصة، ما يعكس تنوع وتعقيد الحالات التي تتزايد في ظل الظروف الراهنة.
ويوضح أنه على صعيد الحياة اليومية، يواجه الأشخاص الصم في غزة تحديات مضاعفة تتعلق بالوصول إلى المعلومات، إذ يفتقر كثير منهم إلى الترجمة بلغة الإشارة في الرسائل الإعلامية والإنسانية، ما يحدّ من قدرتهم على فهم التحذيرات والإرشادات خلال القصف أو عمليات الإخلاء.
ويضيف أن الأزمة تتفاقم مع توقف العديد من الخدمات التعليمية والتأهيلية، إلى جانب خدمات الدعم النفسي والاجتماعي التي كانت تُقدَّم لهم قبل الحرب.
ويشير كراز إلى أن التحديات لم تبدأ مع الحرب، إذ كان الأشخاص الصم يواجهون قبلها صعوبات في الاندماج الكامل داخل المجتمع، رغم وجود جهود مؤسسية لدعمهم، إلا أن الحرب عمّقت هذه الفجوة بصورة كبيرة، وأدت إلى توقف شبه كامل للمشاريع والمبادرات التي كانت تسهم في دمجهم اجتماعيًا وتعليميًا ومهنيًا.
ويؤكد أنه، رغم هذه الظروف القاسية، يواصل عدد من مترجمي لغة الإشارة والناشطين والمتطوعين جهودهم الإنسانية لدعم هذه الفئة، من خلال محاولة إيصال الرسائل التوعوية والإرشادية بلغة الإشارة عبر الوسائل الرقمية والمبادرات المجتمعية، في ظل بيئة تفتقر إلى الموارد والاستقرار.
لكن هذه الجهود، بحسب كراز، تبقى محدودة أمام حجم الاحتياج المتزايد، في ظل شح الإمكانيات، ونقص الكوادر، والانقطاع المتكرر للكهرباء والإنترنت، وصعوبة الحركة والتنقل بين مناطق النزوح.
وفي ظل هذا الواقع، تتصاعد الدعوات إلى توفير تدخلات إنسانية عاجلة ومستدامة تضمن حقوق الأشخاص الصم في غزة، عبر إعادة تفعيل الخدمات التعليمية والتأهيلية، وتوفير السماعات الطبية وملحقاتها، وإدماج الترجمة بلغة الإشارة في جميع الرسائل الإعلامية والإنسانية، بما يضمن حقهم في الوصول إلى المعلومات والخدمات الأساسية دون تمييز، ويعزز مشاركتهم المجتمعية بكرامة وأمان في ظل استمرار الحرب.