مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، تجلس هديل شويدح في زاوية منزل نزحت إليه غرب مدينة غزة، تستعيد وصايا والدها الأسير عيسى شويدح، الذي اعتقلته قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال اقتحام مجمع الشفاء الطبي في مارس/ آذار 2024، تاركًا خلفه عائلة أنهكها الحرب والغياب.
"عليكم بالصبر والثبات يا هديل، وأوصيكِ بإخوتكِ ووالدتكِ مهما تعرضتُ له داخل السجون"، بهذه الكلمات الأخيرة ودّع الأسير عيسى ابنته خلال آخر اتصال جمعهما، قبل أن تنقطع أخباره لأشهر طويلة داخل سجون الاحتلال.
ويحلّ عيد الأضحى هذا العام على عائلة شويدح وعائلات الأسرى مثقلاً بالحزن والخوف، مع غياب الأب الذي كان يشكل السند والطمأنينة لأفراد أسرته، بينما تحاول الأم علا شويدح التخفيف عن أبنائها الستة، رغم قسوة الظروف التي يعيشونها بعد تدمير منزلهم في حي الزيتون ونزوحهم إلى غرب مدينة غزة.
مصير مجهول
تقول هديل إن والدها كان مدرسًا لمادتي التاريخ والجغرافيا، وعُرف بين طلابه بحبه للتعليم وحرصه على زرع الأمل في نفوسهم، مؤكدة أنه لم يكن سوى معلم كرّس حياته لخدمة الطلبة.
وتضيف لصحيفة "فلسطين": "كان والدي دائمًا يردد علينا أن ما بعد الضيق إلا الفرج، وكان يوصينا بالصبر مهما اشتدت الظروف، حتى وهو يعلم أنه قد يُعتقل أو يُستشهد، كان يفكر بنا ويطلب منا التماسك".
وتوضح أن عائلتها لا تزال تجهل مصير والدها بشكل كامل، في ظل رفض الاحتلال الإسرائيلي تزويدهم بأي معلومات واضحة عن وضعه الصحي أو مكان احتجازه، ما يزيد من حجم القلق والمعاناة مع اقتراب العيد.
وتقول هديل: "العيد من دون والدي ليس عيدًا، نفتقد حضوره وكلماته وتفاصيله الصغيرة التي كانت تمنح البيت حياة وفرحًا".
وعلى مقربة منها، تحاول والدتها علا ترتيب احتياجات أطفالها البسيطة، بينما تخفي دموعها خلف ابتسامة مرهقة، حتى لا يشعر أبناؤها بحجم الألم الذي تعيشه العائلة.
قسوة الحياة
تؤكد علا لـ"فلسطين" أن زوجها اعتُقل خلال اقتحام قوات الاحتلال لمجمع الشفاء الطبي، قبل أن يُنقل إلى جهة مجهولة دون السماح للعائلة بمعرفة مصيره لأشهر.
وتشير شويدح إلى أنها تواصلت مرارًا مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومع أهالي الأسرى، إلى أن أبلغها أحد الأسرى المفرج عنهم مؤخرًا أن زوجها محتجز في سجن "النقب" الصحراوي، بعد أن تنقل بين عدة سجون ومراكز اعتقال.
وتضيف: "أخبرونا أنه يحاول أن يبقى صامدًا رغم كل ما يتعرض له الأسرى من تعذيب وتجويع وإهانة".
ومع اقتراب عيد الأضحى، تقول الأم إنها لم تتمكن هذا العام من توفير ملابس العيد لأطفالها الستة، بسبب الظروف الاقتصادية والنفسية الصعبة، موضحة أن غياب زوجها جعل كل تفاصيل الحياة أكثر قسوة.
وتستذكر شويدح وصية زوجها التي نقلها لها أحد الأسرى المحررين، حين طلب منها أن تزوّج بناته ممن يتحلون بالأخلاق والدين إذا غاب عنهم، مؤكدة أن تلك الكلمات كانت الأصعب على قلبها.
وتروي بحزن كيف زُفّت ابنتها "أسيل" في نيسان/ أبريل الماضي دون حضور والدها، قائلة: "حاولنا أن نصنع فرحًا بسيطًا، لكن غياب والدها جعل الدموع تسبق كل شيء".
وتوجه العائلة نداءً إلى المؤسسات الحقوقية والإنسانية للتدخل العاجل من أجل الكشف عن مصير الأسرى الفلسطينيين والعمل على الإفراج عنهم، خاصة في ظل ما يتعرضون له من انتهاكات متصاعدة داخل سجون الاحتلال.
ويبلغ عدد الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال أكثر من 9600 أسير، فيما يواجه المعتقلون، خاصة من قطاع غزة، ظروفًا قاسية تشمل التعذيب والتجويع والإهمال الطبي، وسط استمرار الغموض حول مصير العديد منهم منذ اندلاع الحرب على القطاع.