في محاولة لتفنيد الأكذوبة الإسرائيلية بحق اليهود التاريخي والديني في أرض فلسطين، يلجأ بعض الفلسطينيين إلى الانتساب إلى الكنعانيين الذين سكنوا أرض فلسطين، قبل أن يسيطر عليها اليهود، ويقيموا مملكتهم بقيادة نبيهم داود ألف سنة قبل الميلاد، وفق رواية كتاب التوراة.
العودة إلى التاريخ لا تعطي حقاً بالتملك للأرض، حتى اليهود حين عادوا إلى أرض فلسطين، لم يكتفوا بالحق التاريخي، بل ربطوا التاريخ بالعقيدة، وبما جاء في التوراة من قول: لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات.
ولم يكتفِ اليهود بالحق التاريخي بتملك أرض فلسطين، ولم يكتفوا بالحق الديني، بل فرضوا سيطرتهم على الأرض بقوة السلاح والجبروت والإرهاب، ولم يفتحوا أيديهم إلى السماء، بل يرددون على مسامع العالم: نحن أصحاب حق تاريخي. لقد مارسوا السيطرة على الأرض فعلياً، ثم قالوا: لنا بها حق تاريخي، ولنا بها حق عقائدي.
لجوء بعض العرب الفلسطينيين للانتساب إلى أرض كنعان، ادعاءً بأننا امتداد لأولئك الأقوام الذين سكنوا أرض فلسطين قبل أن يسكنها اليهود 1800 قبل ميلاد المسيح، هذا الادعاء يعزز الرواية اليهودية، بأن أصحاب هذه الأرض ليسوا المسلمين العرب الفلسطينيين، الذين امتلكوا رقبة الأرض قبل تعرضهم للهجمة الصهيونية، وإنما أصحاب هذه الأرض هم الأقوام الذين سكنوها قبل ضهور الإسلام، بما فيهم الفرس، والإغريق، والرومان، والكنعانيون والمؤابون والفينيقيون وغيرهم من الممالك والقبائل القديمة.
تجريد المنطقة من إسلامها وعروبتها يعني التساوق مع الفكرة اليهودية بأن منطقة الشرق الأوسط ليست عربية وإسلامية، وإنما هي كنعانية وعبرية وفينيقية وأشورية وأكادية وفارسية وأمزيقية وغيرها من القوميات، وفي هذا القول تأكيد للأكذوبة الصهيونية بأنهم أصحاب حق تاريخي في أرض فلسطين، وفي المنطقة كلها، مثلهم مثل غيرهم من الأقوام.
ادعاء بعض العرب الفلسطينيين بأنهم ينتسبون تاريخياً إلى أرض كنعان فيه تشجيع لبقية سكان المنطقة لشطب التاريخ الإسلامي، والانتساب إلى التاريخ المدفون تحت المتغيرات والمستجدات، ليصير من حق العرب اللبنانيين التخلي عن التاريخ الإسلامي وتاريخ العرب، والادعاء بأنهم ينتمون إلى فينيقيا، ويصير من حق المصريين الابتعاد عن دينهم وعروبتهم، والانتماء إلى أرض فرعون، ويصير من حق العراقيين الانتماء إلى أرض الكلدانيين والأكاديين، ويصير من حق العرب المسلمين في سوريا الانتماء إلى الأشوريين، وهكذا يصير تفتيت الأمة العربية، ويصير تجريدها من تاريخها الإسلامي، وكل هذا التمزق لا يصب إلا في مصلحة الأكذوبة عن حق اليهود التاريخي والعقائدي في أرض فلسطين العربية.
أنا مسلم عربي أسكن أرض فلسطين، ولم أكن في يوم من الأيام كنعانياً، ولن أكون، ربما تكون جذوري من العراق أو الجزيرة العربية أو مصر أو شمال إفريقيا، فنحن على أرض فلسطين نتائج التاريخ الإسلامي الذي امتد من بلاد السند وحتى بلاد الأندلس، امتزجنا، وتداخلنا، وتزاوجنا، واختلطنا بكل القبائل والجنسيات والأقوام الذين سكنوا المنطقة، وقد يكون بعضنا من بقايا الصليبيين الذين استقروا بأرض فلسطين، وأسلموا، ورفضوا العودة إلى أوروبا، وقد يكون بعض سكان فلسطين من قادة جيوش المسلمين الذي فتحوا القدس زمن الخليفة عمر بن الخطاب، أو أولئك المغاربة الذين أسكنهم صلاح الدين الأيوبي المنطقة الغربية من القدس، ولديهم حارة المغاربة التي دمرها العدو سنة 1976، وما زال باب المغاربة في القدس يشهد على التاريخ العربي الإسلامي الذي لن تطمسه الأكاذيب الصهيونية.

