لم تكن حرب الإبادة على قطاع غزة مقتصرة على استهداف المنازل والبنية التحتية والخدمات الأساسية، بل امتدت لتطال قطاع التكنولوجيا وريادة الأعمال، الذي شكّل خلال السنوات الماضية نافذة أمل لآلاف الشباب الفلسطينيين، ومسارًا لبناء اقتصاد رقمي ناشئ على الرغم من التحديات.
ومن بين أبرز المؤسسات التي تعرضت لدمار واسع، تبرز حاضنة "يوكاس" التكنولوجية التابعة للكلية الجامعية للعلوم التطبيقية، باعتبارها إحدى أقدم المؤسسات الداعمة للشركات الناشئة في قطاع غزة، والتي وجدت نفسها أمام خسائر كبيرة طالت المباني والمعدات والكوادر البشرية، إضافة إلى مئات المشاريع الريادية التي كانت في مراحل النمو والتأسيس.
وتعرضت الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية، الواقعة في حي تل الهوى جنوب غرب مدينة غزة، لسلسلة من عمليات القصف والتدمير خلال الحرب، إذ تشير تقارير توثيقية إلى أن مبانيها تعرضت لأول قصف في 19 أكتوبر/تشرين الأول 2023، ثم غارات لاحقة في 14 فبراير/شباط 2024، قبل أن تتعرض في 3 أغسطس/آب 2024 لعمليات نسف وتدمير واسعة أدت إلى تدمير الحرم الجامعي بشكل شبه كامل، بما يشمله من مرافق تعليمية ومختبرات ومراكز تدريب. (Visionscarto)
وتُعد الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية، التي تأسست عام 1998، من أبرز المؤسسات الأكاديمية التقنية في غزة، إذ تضم تخصصات علمية وهندسية متعددة، وتحتضن مبادرات ريادية وحاضنات تكنولوجية ركزت على دعم الابتكار وريادة الأعمال بين الشباب والخريجين.
وأوضح مدير حاضنة "يوكاس" التكنولوجية في غزة عبد الله الطهراوي، أن الحاضنة لعبت على مدار أكثر من 15 عامًا دورًا محوريًا في بناء منظومة ريادة الأعمال في القطاع، من خلال برامج تدريب وتأهيل، وتوفير مساحات عمل مشتركة، ومنح تأسيسية، وخدمات إرشاد وتوجيه متخصصة، مع تركيز خاص على تمكين النساء والشباب في المجالات التكنولوجية والإنتاجية.
وقال لصحيفة "فلسطين": "قبل اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، كانت الحاضنة تقترب من تحقيق هدفها في بناء منظومة ريادية متكاملة تضم مئات الشركات الناشئة في مراحل التأسيس والنمو، إلى جانب نقل الخبرات والمعرفة من الأسواق الدولية إلى البيئة المحلية، وخلق فرص عمل في قطاعات التكنولوجيا والخدمات والصناعة والزراعة".
وأضاف: "لكن الحرب قلبت هذا الواقع رأسًا على عقب، بعد تعرض الحاضنة والشركات المرتبطة بها لدمار واسع، نعتبره استهدافًا ممنهجًا للبنية التحتية الرقمية والاقتصادية في قطاع غزة".
وبحسب تقييم ميداني أجرته الحاضنة على 127 شركة ناشئة، فإن 79.5% من مقار هذه الشركات دُمّرت بالكامل، فيما تعرضت 15.7% لأضرار جسيمة، ما يعني أن أكثر من 95% من البيئات التشغيلية لم تعد صالحة للعمل دون إعادة إعمار شاملة.
ولم تقتصر الخسائر على المباني، إذ أظهرت النتائج أن 93% من الشركات فقدت معداتها وأجهزتها، فيما انهارت الإيرادات بنسبة وصلت إلى 90% في المتوسط، بينما تكبدت عشرات الشركات خسائر مالية مباشرة؛ إذ فقدت 20.5% منها ما بين 20 و50 ألف دولار، في حين تجاوزت خسائر 11% من الشركات حاجز 50 ألف دولار.
وأشار الطهراوي إلى أن حاضنة "يوكاس" فقدت بدورها البنية التحتية التي بُنيت خلال 15 عامًا، بما يشمل المختبرات ومساحات العمل ومنظومات الدعم والأجهزة المختلفة، مؤكدًا أن هذه الخسائر "لا تُقاس بالأرقام فقط".
وفي جانب آخر، لفت إلى أن الخسائر البشرية كانت من أكثر الجوانب قسوة، إذ أظهرت بيانات الحاضنة أن 67.7% من مؤسسي الشركات الناشئة فقدوا أقارب أو أصيبوا خلال الحرب، بينما فقد 83.5% منازلهم، واضطر 57.5% للنزوح أكثر من خمس مرات.
كما أوضح أن 55% من الشركات فقدت فرق العمل بسبب النزوح أو الاستشهاد، في وقت يشكل فيه الشباب دون سن الخامسة والثلاثين نحو 70% من رواد الأعمال المستفيدين من برامج الحاضنة، ما ينذر بخسارة جيل كامل كان يُعوَّل عليه في بناء الاقتصاد الرقمي الفلسطيني.
ولم تسلم الكوادر البشرية العاملة في الحاضنة من الاستهداف، إذ قُتل عدد من الموظفين ورواد الأعمال، بينهم مطورون ومبدعون من أبرز الكفاءات في قطاع التكنولوجيا في غزة، ما شكّل خسارة كبيرة في رأس المال المعرفي والخبرات التراكمية.
ورغم هذا الواقع القاسي، تحاول الحاضنة مواصلة عملها بما هو متاح، في خطوة تصفها بأنها "رسالة صمود حضارية"، تؤكد أن الإنسان الغزي ما يزال قادرًا على الإنتاج والإبداع رغم الحرب والدمار.
وفي ظل توقف نحو 85% من الشركات الناشئة، واضطرار بعضها للعمل من داخل خيام ومراكز نزوح، تواصل الحاضنة تقديم خدمات الدعم الرقمي عن بُعد، وجلسات الإرشاد والتوجيه، وربط رواد الأعمال بشبكات دولية، إضافة إلى توثيق الأضرار تمهيدًا للحصول على دعم خارجي.
وأشار الطهراوي إلى أن التحول نحو العمل الرقمي والعمل الحر أصبح خيارًا أساسيًا في ظل تدمير البنية التحتية وانقطاع الكهرباء والإنترنت وصعوبة إعادة تشغيل المشاريع التقليدية.
وأوضح أن الحاضنة تعمل على تقييم المشاريع التي تمكن أصحابها من الحفاظ على جزء من منتجاتهم أو بياناتهم البرمجية، لمساعدتهم على استكمال العمل، فيما تضطر غالبية المشاريع الأخرى إلى البدء من جديد "من الصفر أو ما دونه".
وفي ما يتعلق بالدعم الدولي، أكد أن الحاضنة كانت تعتمد قبل الحرب على شراكات متعددة، لكنها اليوم تواجه صعوبات كبيرة في استعادة هذا الدعم، رغم إرسال تقارير ميدانية موثقة إلى الجهات المانحة.
ولفت إلى أن معظم المساعدات الدولية الحالية تتركز على الجوانب الإنسانية الطارئة مثل الغذاء والمأوى والرعاية الطبية، بينما يبقى القطاع الاقتصادي والتكنولوجي خارج أولويات الاستجابة، رغم أهميته في خلق فرص العمل ودعم الاستقلال الاقتصادي.
وبينما يحاول رواد الأعمال في غزة مواصلة مشاريعهم وسط الدمار والنزوح وانعدام الموارد، تبقى حاضنة "يوكاس" شاهدًا على حجم الاستهداف الذي طال قطاع التكنولوجيا، وعلى محاولات مستمرة للحفاظ على ما تبقى من حلم الاقتصاد الرقمي في غزة

