في رحلة اعتقال امتدت لأربعة عشر شهرًا ونصف داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي، لم يستسلم الأسير المحرر محمد السرساوي (55 عامًا) لظروف القهر والتنكيل، بل حوّل تفاصيل المعاناة اليومية إلى مساحة للصمود والإبداع، عبر صناعة المسابح من أدوات بدائية داخل المعتقلات، متحديًا إجراءات السجان وقمعه المستمر بحق الأسرى.
السرساوي، وهو من سكان حي الشجاعية شرق مدينة غزة، اعتُقل في 15 ديسمبر/كانون الأول 2023 بالقرب من ملعب اليرموك، عقب نزوحه القسري بعد تدمير منزله خلال حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة.
وقال السرساوي لصحيفة "فلسطين" إنه بعد الهدنة الأولى في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 عاد إلى حي الشجاعية ليجد منزله قد تحول إلى ركام، لتبدأ بعدها رحلة نزوح قاسية انتهت باعتقاله من قبل قوات الاحتلال.
وخلال فترة اعتقاله، تنقل بين عدة سجون ومعتقلات إسرائيلية، بدأت بمعتقل "سديه تيمان"، مرورًا بـ"البركسات"، وصولًا إلى سجن النقب، الذي شهد اقتحامات متكررة وعمليات قمع وتفتيش واعتداءات طالت الأسرى ومقتنياتهم البسيطة.
أدوات بدائية وصناعة الصمود
ورغم قسوة الظروف، اشتهر السرساوي بين الأسرى بصناعة المسابح اليدوية داخل السجن، مستخدمًا أدوات شديدة البدائية. فقد كان يجمع "عجم الزيتون" الذي يُقدَّم للأسرى يومي الجمعة والسبت بواقع 33 حبة أسبوعيًا، ليبدأ بجمع النوى من رفاقه وتحويله إلى مادة أولية لصناعة المسابح.
وأوضح أنه كان يقوم بحكّ عجم الزيتون على الأرض لساعات طويلة حتى يأخذ الشكل المناسب، ثم يستخدم قطعة معدنية رفيعة عثر عليها داخل السجن لثقب الحبات واحدة تلو الأخرى، قبل أن يستخرج خيطًا من ملابسه لتمريره داخلها وصناعة المسبحة يدويًا.
وأكد أن هذه العملية كانت مرهقة للغاية، إذ كانت تسبب تورم أصابعه من شدة الاحتكاك، إلا أنها كانت تمنحه شعورًا بالقوة والصمود في مواجهة السجن والسجان.
ولم تكن المسابح مجرد أدوات للتسبيح، بل تحولت إلى رمز للصبر والتحدي داخل المعتقلات، حيث كان يهديها للأسرى لمساعدتهم على قضاء أوقاتهم في الذكر والاستغفار، والتخفيف من قسوة الاعتقال والعزل النفسي.
ملاحقة وقمع داخل السجون
وأشار السرساوي إلى أن إدارة السجون الإسرائيلية لاحقته بسبب هذا النشاط، معتبرة صناعة المسابح “مخالفة”، حيث تعرض أكثر من مرة للضرب والقمع، إضافة إلى مصادرة ما يصنعه من مسابح، خاصة داخل قسم الخيام في سجن النقب.
وبيّن أن قوات القمع كانت تقتحم الخيام فجراً بشكل مفاجئ، وتُخرج الأسرى بالقوة، وتفتش مقتنياتهم وتصادر كل ما يتم العثور عليه، بما في ذلك المسابح وعجم الزيتون والأدوات البدائية.
وأضاف أن إدارة السجون صادرت منه نحو 30 مسبحة، إلى جانب كميات كبيرة من عجم الزيتون، إلا أن ذلك لم يمنعه من الاستمرار في صناعة غيرها رغم العقوبات.
إبداعات خلف القضبان وألم الفقد
ولم تقتصر محاولات الإبداع على صناعة المسابح، إذ أوضح السرساوي أن الأسرى حاولوا أيضًا حياكة الملابس أو التطريز بأدوات بدائية مصنوعة من أسلاك صغيرة، إلا أن الاحتلال كان يعاقب كل من يُضبط بحوزته تلك الأدوات.
كما أشار إلى أنه كتب بعض العبارات على ملابسه داخل السجن، لكن السجانين صادروا تلك المقتنيات واعتدوا عليه فور اكتشافها.
وتحدث بحزن عن فقدانه اثنين من أبنائه خلال الحرب والاعتقال؛ إذ استشهد نجله أمجد (27 عامًا) في 29 مارس/آذار 2024 أثناء اعتقاله، فيما استشهد نجله الآخر عبد العزيز في 19 يوليو/تموز 2025 بعد الإفراج عنه.
ورغم الألم، يؤكد السرساوي أن الأسرى الفلسطينيين ما زالوا صامدين داخل السجون، ويواصلون التكيّف مع واقعهم القاسي بكل الوسائل الممكنة، معتبرًا أن المسابح التي صنعها ستبقى شاهدًا على تجربتهم ومعاناتهم.
ولفت إلى أنه سبق أن اعتُقل عام 1989 لمدة عام، وكان يصنع المسابح داخل السجن أيضًا، في مشهد يعكس استمرار إصرار الأسرى الفلسطينيين على تحويل أدوات القهر إلى مساحات صغيرة للحياة والإبداع رغم القمع المستمر