انتهى المؤتمر الثامن لحركة فتح بعد ثلاثة أيام من الاجتماعات والنقاشات التي شارك فيها 2595 عضوا، بعدما عقد على وقع تحولات عاصفة تعيشها القضية الفلسطينية، في لحظة توصف بأنها الأخطر، مع استمرار حرب الإبادة على غزة، والاستيطان الذي يلتهم الضفة الغربية المحتلة، وتهويد القدس، وفي وجود نظام سياسي يعيش حالة إنهاك وانقسام وفقدان ثقة متصاعد.
وبينما نجح المؤتمر في إعادة تشكيل الأطر القيادية للحركة، بقي السؤال الأهم مطروحا بقوة: هل قدم مؤتمر فتح إجابات عن جذور الأزمة العميقة التي تعيشها فتح والنظام السياسي الفلسطيني، أم اكتفى بإعادة إنتاج النهج ذاته بأسماء وتوازنات جديدة؟
الاحتلال والتسوية.. تكريس النهج القائم
وعلى الرغم من أن المؤتمر انعقد في وجود انهيار شبه كامل لمسار التسوية مع الاحتلال الإسرائيلي، إلا أن النقاشات، وفق متابعين، لم تتجه نحو مراجعة هذا المسار أو البحث عن بدائل سياسية جديدة.. فالمؤتمر، كما يقول المحلل السياسي هاني المصري، أكد الاستمرار في الطريق نفسه الذي أوصلنا إلى الكارثة التي نعيشها.
ويشير أن المؤتمر لم يشهد أي حوار بشأن البرنامج السياسي، كما لم يتوقف أمام الفرص الضائعة أو حقيقة أين وصلت القضية الفلسطينية اليوم، معتبرا أن تغيير بعض الوجوه داخل المؤسسات القيادية لم يترافق مع تغيير في الرؤية أو الأداء السياسي.
ويتابع، الأزمة لم تعد مرتبطة بالأشخاص بقدر ارتباطها بطبيعة النهج السياسي القائم، قائلا إن تغيير الأشخاص لم يترافق مع تغيير المسار السياسي والأداء، ولا مع حلول أشخاص يتبنون بديلا عما هو قائم ومستعدين للكفاح من أجله.
القيادي في فتح أحمد غنيم ذهب إلى الاتجاه نفسه، معتبرا أن المؤتمر تجاهل الأسئلة الأساسية، سواء المتعلقة بالأزمة البنيوية داخل فتح أو بطبيعة العلاقة مع إسرائيل بعد حرب الإبادة على غزة وتصاعد الاستيطان في الضفة الغربية.
وأضاف غنيم في تصريح صحفي، أن الحركة ما زالت تتعامل مع إسرائيل باعتبارها شريكا، رغم التحولات التي شهدها الواقع الفلسطيني والإسرائيلي خلال السنوات الأخيرة، في إشارة إلى غياب أي مراجعة فعلية للعلاقة السياسية والأمنية مع الاحتلال.
ويعتقد القيادي في فتح بكر أبو بكر، أن ما جرى داخل المؤتمر عكس تغول العقل الوظيفي السلطوي الانتهازي داخل الحركة، مقابل تراجع العقل النضالي، موضحا أن التكتلات التي ظهرت في أروقة المؤتمر لم تتقاطع إلا على قاعدة انتخابية انتهازية وليس ضمن خط فكري أو سياسي أو قيمي.
ويقول أبو بكر، إن المؤتمر كشف أيضا حالة محاربة الرأي الآخر، معتبرا أن التقبل بمنطق الإذعان الكامل والخنوع جرى تقديمه باعتباره التزاما تنظيميا، الأمر الذي انعكس على طبيعة النقاشات السياسية داخل المؤتمر.
وفي ظل هذا الواقع، لم يخرج المؤتمر بأي رؤية جديدة للعلاقة مع الاحتلال، ولا بأي استراتيجية سياسية بديلة، رغم تصاعد الحديث داخل الأوساط الفلسطينية عن انتهاء المرحلة التي نشأت بعد اتفاق أوسلو، وما رافقها من رهانات سياسية وأمنية.
غزة.. حضور في الخطاب وغياب في الرؤية
حضرت حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة في كلمات المؤتمر وخطاباته، إلا أن حضورها بقي، وفق مراقبين، في الإطار العاطفي والسياسي العام، دون أن يتحول إلى نقاش عميق حول تداعياتها على المشروع الوطني الفلسطيني أو شكل النظام السياسي في المرحلة المقبلة.
ويقول المصري لصحيفة "فلسطين"، إن ما يجري في غزة حرب عدوانية مستمرة، مشيرا إلى أن القطاع يواجه أيضا محاولات فرض وصاية استعمارية عليه تسمى زورا مجلس سلام، بغطاء فلسطيني وعربي ودولي.
ويرى أن خطورة المرحلة كانت تستدعي من فتح مراجعة شاملة للسياسات الفلسطينية، لكن المؤتمر لم يناقش بشكل جدي طبيعة المرحلة الجديدة بعد الحرب، ولا كيفية التعامل مع التحولات التي فرضتها الحرب على غزة سياسيا ووطنيا.
وأضاف أن المؤتمر أبقى على "استراتيجية فلسطينية تقوم على البقاء والانتظار وسحب الذرائع والنأي بالنفس"، رغم أنها، بحسب المصري لم تحقق أهدافها، ولم تمنع استمرار العدوان أو التوسع الاستيطاني في الضفة المحتلة.
من جهته، اعتبر غنيم أن المؤتمر لم يناقش طبيعة العلاقة مع إسرائيل بعد حرب الإبادة، كما لم يبحث التحولات التي طرأت على الواقع الفلسطيني بعد الحرب، بل انشغل بإعادة إنتاج قيادة ضمن الإطار السياسي القائم.
أما أبو بكر فاعتبر أن غياب النقاشات الفكرية والسياسية العميقة كان أحد أبرز ملامح المؤتمر، قائلا: "لا ثقافة ولا تثقيف ولا فكر ولا نقاشات عميقة، إلا ما ندر من بضعة كادرات صلبة وحريصة".
ويضيف أن فتح شهدت خلال السنوات الماضية تفريغا للأطر التنظيمية والتعبوية، ما انعكس على مستوى الحوار الداخلي، وعلى قدرة الحركة في إنتاج أفكار ورؤى تتناسب مع حجم التحديات الوطنية القائمة.
ورغم حجم الكارثة الإنسانية والسياسية التي تعيشها غزة، لم يخرج المؤتمر بخطة سياسية واضحة لما بعد حرب الإبادة، ولا برؤية تتعلق بمستقبل السلطة أو منظمة التحرير أو شكل النظام السياسي الفلسطيني في المرحلة المقبلة.
الاستيطان والانقسام.. مخاطر بلا إجابات
في الضفة الغربية المحتلة، يتواصل التوسع الاستيطاني بوتيرة غير مسبوقة، بالتوازي مع تصاعد حديث الاحتلال الإسرائيلي عن الضم وفرض السيادة اليهودية الكاملة على أجزاء واسعة من الضفة المحتلة، فيما تتسارع عمليات تهويد القدس وعزلها عن محيطها الفلسطيني.
لكن هذه التحولات الخطيرة لم تحضر، وفق مراقبين، كنقاش سياسي تفصيلي داخل المؤتمر، رغم أنها تمس جوهر المشروع الوطني الفلسطيني. ويقول المصري إن الضم الفعلي وفرض السيادة الإسرائيلية يتسارعان في ظل صمت دولي وعربي.
ويرى أن المؤتمر لم يناقش بشكل جدي كيف يمكن مواجهة هذه السياسات الإسرائيلية، ولا كيف يمكن إعادة بناء استراتيجية وطنية قادرة على التعامل مع واقع يتجه نحو تكريس نظام الفصل العنصري وتقويض أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة.
كما يؤكد المصري أن المؤتمر لم يقدم رؤية فعلية لإنهاء الانقسام الفلسطيني أو إعادة بناء الوحدة الوطنية، متسائلا: لماذا لم يطرح رؤية جديدة تعطي الوحدة الوطنية على الأهداف الممكن الاتفاق عليها الأهمية التي تستحقها؟.
أما غنيم فقال، إن المؤتمر لم يناقش قضايا الوحدة الوطنية أو التهميش والإقصاء داخل الحركة، معتبرا أن النقاشات ذهبت باتجاه إنتاج قيادة تذهب نحو برنامج تحت مفهوم الإصلاح، دون معالجة جذور الأزمة السياسية والتنظيمية.
وفي السياق ذاته، رأى أبو بكر أن فتح شهدت خلال السنوات الماضية قتل منطق التعبئة والتثقيف والتربية الداخلية لحساب الولاءات لا الكفاءات، معتبرا أن ذلك أدى إلى إفراغ التنظيم من مضمونه السياسي والنضالي.
وأضاف أن فكرة التنظيم الحامل سقطت كليا، بعدما تحولت الأطر التنظيمية والنقابية، بحسب وصفه من حاضنة للنضال إلى حاضنة للعقلية الفردانية والمصلحية، ما انعكس على قدرة الحركة في إنتاج مشروع وطني جامع.
ويشير مراقبون أن غياب أي نقاش حقيقي حول إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني أو إصلاح منظمة التحرير يعكس استمرار الأزمة البنيوية داخل النظام القائم، في وقت تتزايد فيه التحديات الداخلية والخارجية بصورة غير مسبوقة.
أزمة القيادة والبرنامج السياسي
أحد أبرز الأسئلة التي طرحت بعد انتهاء المؤتمر يتعلق بقدرة القيادة الحالية لحركة فتح على إدارة المرحلة المقبلة، في ظل التحديات الكبرى التي تواجه القضية الفلسطينية، وتراجع ثقة قطاعات واسعة من الفلسطينيين بالنظام السياسي القائم الذي تقوده فتح.
ويرى المصري أن بقاء السلطة، وبقاء القيادة تحديدا، أصبح الهدف الفعلي، معتبرا أن الحركة وصلت إلى مرحلة إدارة السكان تحت الاحتلال، دون وجود رؤية أو مقاومة مناسبة للمرحلة الحالية.
ويقول إن المؤتمر لم يقدم اختراقا سياسيا أو فكريا حقيقيا، بل أعاد إنتاج الأزمة ذاتها، مضيفا أن الأسئلة الكبرى بقيت مفتوحة، سواء ما يتعلق بمستقبل فتح كحركة تحرر أو بمستقبل منظمة التحرير والنظام السياسي الفلسطيني عموما.
في المحصلة، بدا المؤتمر الثامن لحركة فتح أقرب إلى محاولة لإعادة ترتيب التوازنات الداخلية والحفاظ على تماسك الحركة، أكثر من كونه محطة مراجعة سياسية شاملة تعيد تعريف المشروع الوطني الفلسطيني، وبينما تمكن المؤتمر من إعادة إنتاج مؤسسات الحركة، بقيت الأسئلة الأكثر خطورة المتعلقة بالمقاومة والوحدة الوطنية ومستقبل السلطة والعلاقة مع الاحتلال بلا إجابات حاسمة، في وقت تبدو فيه القضية الفلسطينية أمام واحدة من أكثر مراحلها تعقيدا وخطورة