قائمة الموقع

الاحتلال ينقل سياسة الإعدام من قاعات المحاكم إلى ميدان التنفيذ

2026-05-19T08:54:00+03:00
وزير جيش الاحتلال يسرائيل كاتس أصدر تعليماته لجيشه بالبدء بتطبيق "قانون الإعدام" في الضفة الغربية (أرشيف)
فلسطين أون لاين

في تصعيد يوصف بأنه الأخطر منذ سنوات بحق الأسرى الفلسطينيين، تتجه حكومة الاحتلال الإسرائيلي نحو البدء بإعدام منفذي العمليات الذين يتم اعتقالهم أحياء. ويأتي القرار مع تصاعد الخطاب اليميني المتطرف داخل دولة الاحتلال، الذي يدفع نحو تحويل السجون إلى ساحات انتقام سياسي، وتجريد الأسرى الفلسطينيين من أي حماية قانونية أو إنسانية تكفلها المواثيق الدولية.

ويرى مراقبون أن هذا القرار لا يمثل مجرد إجراء قضائي، بل يعكس توجهاً إسرائيلياً منظماً نحو شرعنة التصفية والإعدام، ضمن سياسة تستهدف الفلسطيني بسبب هويته الوطنية فقط، في وقت يواصل فيه المستوطنون ارتكاب اعتداءات وجرائم قتل بحق الفلسطينيين دون أي ملاحقة مماثلة. كما يثير القرار مخاوف واسعة من فتح الباب أمام موجة جديدة من الانتهاكات بحق الأسرى، خاصة في ظل التقارير المتزايدة حول التعذيب والإهمال الطبي والقتل داخل السجون الإسرائيلية منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023.

وأعلنت القناة 14 الإسرائيلية أن وزير جيش الاحتلال يسرائيل كاتس أصدر تعليماته لجيشه بالبدء بتطبيق "قانون الإعدام" في الضفة الغربية، بحيث تصبح عقوبة الإعدام الخيار الأول بحق أي فلسطيني ينفذ عملية ضد إسرائيليين ويتم اعتقاله حياً. ووقع قائد المنطقة الوسطى في الجيش اللواء آفي بالوت القرار رسمياً، في خطوة قالت حكومة الاحتلال إنها تهدف إلى "إنهاء سياسة الاحتواء"، بينما اعتبرتها جهات فلسطينية وحقوقية تصعيداً خطيراً وانتهاكاً للقانون الدولي.

ويأتي هذا القرار بعد سنوات طويلة من مطالبات أحزاب اليمين الإسرائيلي المتطرف، وعلى رأسها حزب إيتمار بن غفير، بإقرار قانون يسمح بإعدام الأسرى الفلسطينيين. ورغم أن (إسرائيل) نفذت عبر عقود سياسة "الإعدام الميداني" بحق فلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، إلا أن الحكومات السابقة كانت تتجنب تحويل هذه السياسة إلى قانون رسمي خشية التداعيات الدولية.

ومنذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، تصاعدت الدعوات داخل دولة الاحتلال لإعدام الأسرى الفلسطينيين، خاصة المشاركين في عملية "طوفان الأقصى". وفي مارس/ آذار الماضي، صادق الكنيست على مشروع قانون يتيح إصدار أحكام بالإعدام شنقاً بحق أسرى فلسطينيين، في خطوة وصفتها مؤسسات حقوقية بأنها تكشف الطبيعة العنصرية لمنظومة القضاء الإسرائيلي، كونها تستهدف الفلسطينيين حصراً، بينما لا تشمل المستوطنين المتورطين في قتل الفلسطينيين أو تنفيذ اعتداءات بحقهم.

تحول بالغ الخطورة

وقال رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين، رائد أبو الحمص لصحيفة "فلسطين": إن قرار حكومة الاحتلال البدء بتطبيق ما يسمى "قانون الإعدام" بحق الأسرى الفلسطينيين يمثل تحولاً بالغ الخطورة في طبيعة التعامل الإسرائيلي مع قضية الأسرى، ويكشف أن حكومة اليمين المتطرف انتقلت من مرحلة التنكيل والتعذيب والقتل البطيء داخل السجون إلى محاولة شرعنة القتل المباشر تحت غطاء قانوني.

وأضاف أبو الحمص أن الاحتلال الإسرائيلي مارس طوال السنوات الماضية عمليات إعدام ميدانية بحق الفلسطينيين، سواء عبر إطلاق النار المباشر أو من خلال سياسة الإهمال الطبي والتعذيب داخل المعتقلات، لكن ما يجري اليوم هو محاولة لإضفاء شرعية تشريعية على هذه الجرائم، وتحويلها إلى سياسة رسمية معلنة تستهدف الفلسطينيين فقط بسبب انتمائهم الوطني.

وأوضح أن هذا القرار يأتي في سياق التحريض الإسرائيلي المتواصل ضد الأسرى الفلسطينيين، خاصة بعد الحرب الأخيرة على غزة، حيث تصاعد خطاب الكراهية والانتقام داخل المجتمع الإسرائيلي، مدفوعاً من وزراء اليمين المتطرف الذين يتنافسون في الدعوة إلى سفك الدم الفلسطيني وإعدام الأسرى.

وأكد أبو الحمص أن الاحتلال يسعى من خلال هذا القرار إلى ترهيب الفلسطينيين وكسر إرادتهم الوطنية، لكنه سيفشل كما فشل في كل المراحل السابقة، لأن الشعب الفلسطيني الذي واجه القتل والاعتقال والحصار لعقود طويلة لن يتخلى عن حقوقه أو نضاله المشروع. ولفت إلى أن الحركة الأسيرة الفلسطينية ستتعامل مع هذه التطورات باعتبارها معركة وجودية تتطلب تحركاً وطنياً ودولياً عاجلاً.

وأشار إلى أن أخطر ما في هذا القانون أنه يكرس نظام فصل عنصري واضح، إذ يطبق فقط على الفلسطينيين، بينما يتمتع المستوطنون الإسرائيليون الذين يقتلون الفلسطينيين بحصانة شبه كاملة، بل إن بعضهم يتحول إلى "أبطال" داخل الخطاب السياسي الإسرائيلي. وأضاف أن هذا يكشف الطبيعة الحقيقية لمنظومة القضاء الإسرائيلية التي تقوم على التمييز العنصري، وليس على العدالة أو القانون.

وطالب أبو الحمص المؤسسات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية، بالتدخل الفوري لوقف هذه السياسات، محذراً من أن الصمت الدولي يشجع الاحتلال على المضي في ارتكاب مزيد من الجرائم بحق الأسرى الفلسطينيين. كما دعا إلى تشكيل جبهة حقوقية دولية للضغط على (إسرائيل) ومحاسبة قادتها على الانتهاكات الجسيمة التي ترتكب بحق الأسرى، مؤكداً أن قضية الأسرى ستبقى قضية مركزية للشعب الفلسطيني مهما تصاعدت سياسات القمع والإعدام.

انتهاك وتمييز عنصري

من ناحيته، قال المدير العام لمؤسسة الحق شعوان جبارين لـ"فلسطين": إن قرار حكومة الاحتلال الإسرائيلي البدء بتطبيق عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين في الضفة الغربية يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، ويعكس طبيعة النظام القانوني الإسرائيلي القائم على التمييز العنصري والمعايير المزدوجة.

وأوضح جبارين أن دولة الاحتلال لا تملك الحق في استخدام قوانين استثنائية وانتقامية بحق السكان الواقعين تحت الاحتلال، خاصة أن القانون الدولي يفرض على قوة الاحتلال التزامات واضحة بحماية المدنيين وعدم استخدام العقوبات القاسية أو اللاإنسانية. وأضاف أن التوجه نحو إعدام الأسرى الفلسطينيين يخالف جوهر الاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها اتفاقيات جنيف والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يقيد بشكل صارم استخدام عقوبة الإعدام.

وأكد أن خطورة القرار لا تكمن فقط في محاولة شرعنة قتل الأسرى، بل أيضاً في كونه قانوناً انتقائياً وعنصرياً يطبق على الفلسطينيين دون غيرهم. وقال إن المستوطنين الإسرائيليين الذين يرتكبون جرائم قتل واعتداءات بحق الفلسطينيين لا يواجهون أي قوانين مشابهة، بل غالباً ما يتمتعون بحماية سياسية وقضائية، وهو ما يكشف أن الهدف الحقيقي للقانون هو ترسيخ نظام الفصل العنصري وإخضاع الفلسطينيين بمنطق القوة والانتقام.

وأشار جبارين إلى أن دولة الاحتلال تمارس منذ سنوات طويلة سياسة الإعدام خارج نطاق القانون بحق الفلسطينيين، سواء عبر الاغتيالات أو القتل الميداني أو التعذيب داخل السجون، لكن تحويل هذه السياسة إلى قانون رسمي يعد تطوراً خطيراً يستدعي تحركاً دولياً عاجلاً.

ودعا المجتمع الدولي إلى عدم الاكتفاء ببيانات الإدانة، والعمل فعلياً على محاسبة (إسرائيل) أمام المحاكم الدولية، خاصة المحكمة الجنائية الدولية، باعتبار أن هذه السياسات قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. كما طالب الدول الموقعة على اتفاقيات جنيف بتحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية تجاه الشعب الفلسطيني، وعدم السماح لدولة الاحتلال باستخدام القضاء كأداة للانتقام السياسي والعقاب الجماعي

اخبار ذات صلة