قائمة الموقع

غزة ليست شركة تُدار بتغيير المدير

2026-05-17T08:15:00+03:00
فلسطين أون لاين

يبدو أن بعض الصهاينة، ومن يدور في فلكهم، وحتى بعض الأصوات المحسوبة على تيارات إسلامية خارج فلسطين، ما زالوا يظنون أن القضية الفلسطينية يمكن إعادة تشكيلها عبر استهداف القيادات، أو إعادة هندسة المشهد السياسي والأمني في غزة بما يتوافق مع المزاج الأمريكي والإسرائيلي وبعض الحسابات الإقليمية.

يتوهم هؤلاء أن اغتيال قائد هنا، أو إبعاد شخصية هناك، أو صناعة قيادة “مقبولة” دوليًا، يمكن أن يدفع الفلسطينيين إلى القبول بمشاريع الاستسلام السياسي، ونزع روح المقاومة، وتحويل غزة إلى كيان منزوع الإرادة والسيادة والكرامة.

حتى الحديث المتكرر عن استهداف القائد خليل الحية، ومحاولات تسويق ذلك باعتباره خطوة نحو “ترتيب البيت الفلسطيني”، يكشف عن حجم الانفصال عن حقيقة الشعب الفلسطيني، وعن طبيعة هذا الجيل الذي وُلد تحت الحصار والحروب والدمار، ولم يعد يقبل أن تُفرض عليه الوصاية السياسية أو الوطنية من الخارج.

القضية الفلسطينية ليست ملفًا إداريًا يمكن ترتيبه عبر تغيير الأشخاص، وليست شركة تبحث عن مدير تنفيذي جديد يرضي العواصم الكبرى. هذه قضية شعب ممتدة في الوعي والدم والذاكرة والعقيدة، وما فشل الاحتلال في انتزاعه بالحروب والمجازر لن ينجح في فرضه عبر الاغتيالات والهندسة السياسية.

ولو كان بالإمكان شطب القضية الفلسطينية أصلًا، لكان ذلك حدث في لحظات النكبة الكبرى، وفي سنوات الخذلان العربي والدولي، وفي زمن كانت فيه فلسطين شبه وحيدة أمام مشروع الاقتلاع الكامل. لكن الذي حدث هو العكس تمامًا؛ فكل جيل فلسطيني خرج أكثر تمسكًا بحقوقه، وأكثر رفضًا لمحاولات التذويب والاحتواء.

والتاريخ الفلسطيني نفسه ينسف هذه الأوهام؛ فاستشهاد عشرات القادة والرموز الوطنية عبر العقود لم ينجح يومًا في تغيير قناعات الناس أو إنهاء روح المقاومة. فمنذ استشهاد الشيخ عز الدين القسام، مرورًا بالشيخ أحمد ياسين، وياسر عرفات، وأبو علي مصطفى، وجمال منصور، وجمال سليم، وأبو سمهدانة، و“القوقا”، وصولًا إلى مئات القادة الميدانيين والسياسيين من مختلف الفصائل، بقيت القضية حية في وجدان الفلسطينيين، بل إن كثيرًا من هذه الاغتيالات زادت الناس تمسكًا بحقوقهم وشعورهم بأنهم أمام معركة وجود لا مجرد خلاف سياسي عابر.

واليوم، وفي ذكرى النكبة، يتضح أكثر من أي وقت مضى أن الوعي الفلسطيني تجاوز الحسابات التقليدية. حتى الطفل الفلسطيني بات يدرك أن بعض المشاريع المطروحة تحت عناوين “التهدئة” أو “إعادة الإعمار” أو “ترتيب الوضع الداخلي” تخفي في جوهرها محاولة وأد القضية الفلسطينية وتحويلها إلى ملف إنساني بلا مضمون وطني.

واللافت أن رفض هذه المشاريع لا يقتصر على فصيل بعينه، بل يمتد داخل مختلف البيئات الفلسطينية، حتى بين بعض المحسوبين تاريخيًا على تيارات اليسار أو حركة فتح، لأن المسألة لم تعد خلافًا تنظيميًا ضيقًا، بل باتت مرتبطة بجوهر القضية نفسها: هل تبقى فلسطين قضية تحرر وحق تاريخي، أم تتحول إلى كيان منزوع الإرادة يعيش على هامش الشروط الأمريكية والإسرائيلية؟

الاحتلال ومن خلفه يريدون قيادة فلسطينية مطواعة، تُدين المقاومة أكثر مما تُدين القتل والحصار، وتُحمّل الضحية مسؤولية المذبحة، وتقبل بإدارة شعب جائع ومحاصر تحت سقف أمني وسياسي يضمن أمن الاحتلال أولًا.

لكنهم لا يفهمون أن غزة، رغم الجراح والمجاعة والحصار، ما زالت تنتج وعيًا رافضًا للهزيمة، وأن هذا الجيل الذي عاش الإبادة والخذلان، بات أكثر حساسية تجاه أي مشروع يُراد منه تصفية القضية تحت شعارات براقة.

لهذا فإن الرهان على الاغتيالات، أو إعادة تشكيل القيادات وفق الرغبات الخارجية، ليس سوى وهم سياسي متكرر. فالقضية التي صمدت بعد النكبة، وبعد المجازر والحروب والحصار، لن تُدفن بقرار أمني، ولن تُمحى باغتيال قائد أو حصار مدينة.

اخبار ذات صلة