في زاوية معتمة من خيمة نُصبت فوق أرض رملية في حي الدرج، وسط مدينة غزة، جلست سعاد العكلوك (33 عامًا) تُحدّق في قدرٍ فارغة منذ ساعات الصباح، في حين التفّ أطفالها الثلاثة حولها بوجوه شاحبة وأعين مُتعبة، يسألونها عن موعد الطعام.
لم تجد الأرملة التي فقدت زوجها إبّان الحرب ما تجيبهم به سوى الصمت، بعدما أصبحت "تكية الطعام" القريبة، التي كانت تؤمّن لهم وجبة يومية متواضعة، عاجزة عن توفير الطعام بانتظام.
تقول سعاد، وهي نازحة من حي الشجاعية، شرقي مدينة غزة: "قبل أسابيع كنّا نحصل على وجبة على الأقل كل يوم، أما الآن بالكادِ نحصل على وجبة تُسكت جوع أطفالي، وأحيانًا لا نحصل على شيء".
ولجأت منظمات دولية تعمل في غزة إلى تقليص عدد وجبات الطعام المُقدمة مجانًا للنازحين في مراكز الإيواء، في وقت يُشدد الاحتلال الإسرائيلي من حصاره، وسط ظروف إنسانية قاسية.
ورغم أن اتفاق وقف إطلاق النار، الذي دخل حيز التنفيذ يوم 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، يضمن إدخال 600 شاحنة مساعدات يوميًا إلى القطاع الساحلي، إلا أن الاحتلال وضمن خروقاته، حال دون إدخال عدد كافِ من هذه الشاحنات.
أمام هذا الواقع، وجدت سعاد (33 عامًا) وأطفالها الناجين من حرب الإبادة التي امتدت سنتيْن، وتوقفت جزئيًا بموجب اتفاق وقف النار المثقل بالخروقات الإسرائيلية، أمام واقع لا يمكن تغييره، فزوجها محمود العكلوك، الذي كان يوفر احتياجات أسرته، استشهد بنيران الاحتلال في الحرب، وترك غيابه فراغًا لدى زوجته وأطفالهما، لا يسده أحد.
وتضيف بصوتٍ مُرهق لصحيفة "فلسطين": "حتى الخبز أصبح نادرًا، وإذا توفر يكون سعره فوق قدرتنا".
وتعيش سعاد، منذ نزوحها قبل أشهر طويلة، داخل خيمة تفتقر لأدنى مقومات الحياة، بعد أن دمّرت الحرب منزلها الذي كان مكونًا من طابقين. وتعتمد وأطفالها على ما يتلقوه من مساعدات إنسانية متقطعة، لم تعد تكفي لسدّ رمق الأسرة.
ومع استمرار الحصار الإسرائيلي، يشكو مواطنون ومؤسسات إغاثية من تراجع أعداد شاحنات المساعدات الواردة إلى غزة، علاوة على قيود يفرضها الاحتلال على دخول أصناف مختلفة من المواد الغذائية، والوقود، ومواد الإعمار واحتياجات متعددة أيضًا، ما سبب تفاقمًا في الأزمة الإنسانية لاسيما داخل مراكز وخيام النزوح المكتظة.
وانعكس تراجع الإمدادات بشكل مباشر على عمل "تكيات الطعام"، التي يعتمد عليها مئات آلاف النازحين، إذ اضطرت عشرات التكايا إلى تقليص الوجبات أو إيقاف عملها كليًا بسبب نفاد المواد الأساسية.
وفي مخيم يكتظ بخيام الإيواء بمدينة غزة، تقف منى الجاروشة يوميًا في طابور طويل أمام إحدى التكايا، على أمل الحصول على وجبة تكفي النازحين معها في خيمة صغيرة من القماش المهترئ، وعددهم ثمانية.
لكن المرأة البالغة (39 عامًا) تعود غالبًا بخيبة أمل بعد حصولها على قدر صغير من العدس أو الفاصوليا، أو نفاد الطعام قبل وصول دورها.
تقول منى بصوت يختلط فيه الغضب بالعجز: "أقف لساعات تحت الشمس، وفي النهاية يقولون إن الطعام انتهى". تصمت قليلًا قبل أن تُكمل حديثها لمراسل "فلسطين": "أطفالي ينامون جائعين معظم الأيام، ولا أملك ثمن شراء أي شيء من السوق".
ومع ارتفاع أسعار المواد الغذائية من لحوم وخضروات وفواكه وفقدان أصناف مختلفة منها في الأسواق، صار شراء الاحتياجات الأساسية أمرًا مستحيلًا بالنسبة لمنى وعائلتها، ومعظم العائلات النازحة التي فقدت مصادر دخلها بسبب الحرب.
داخل خيمتها الصغيرة، تُحاول ابنتها مرفت (17 عامًا) إعداد أي طعام متوفر، حتى لو اقتصر الأمر على الماء وبعض العدس أو الأرز. وتقول لـ"فلسطين": "أحيانًا نقسم وجبة واحدة على الأطفال فقط، بينما ينام الكبار بلا طعام".
معاناة النازحين لا تقتصر على نقص الغذاء فحسب، بل تمتد إلى تردي الظروف الصحية والمعيشية داخل المخيمات، مع غياب المياه النظيفة وانتشار الحشرات والأمراض، وسط تحذيرات متواصلة من تفاقم الكارثة الإنسانية.
ويؤكد عاملون في المجال الإغاثي أن تقليص دخول المساعدات أفقد المؤسسات الإنسانية القدرة على تلبية الاحتياجات المتزايدة لمئات آلاف الأسر المنكوبة، وسط تحذيرات من أن استمرار الحصار الإسرائيلي وتقليص المساعدات، سيخلف تداعيات خطيرة، وقد يسبب بمجاعة جديدة.
ويُحذر مشرفون على مراكز لإيواء النازحين، من أن عدد الوجبات التي تُقدّم يوميًا انخفض كثيرًا مقارنة بالأشهر الماضية، بسبب نقص المواد الغذائية، ما يجعل تقديم وجبة واحدة لجميع العائلات أمرًا مستحيلاً.