فلسطين أون لاين

"فلسطين" ترصد معاناة النزوح في المخيمات

في الذكرى الـ 78 للنكبة.. لاجئو غزة يحملون وجعي التهجير والإبادة

...
خيام النازحين
غزة/ يحيى اليعقوبي:

يجلس الحاج أحمد محمد فورة (65 عاما) أمام خيمة نزوحه في ملعب فلسطين وسط مدينة غزة، هاربًا من حرارة الخيمة التي تحولت إلى فرنٍ مع ارتفاع درجات الحرارة في الأجواء، لم تمنحه قطعة الشادر التي كانت تظلله نسمات باردة، فكان يتصببُ عرقًا، وبجانبه يضع كوبًا من الشاي يحيط به أحفاده ويجاوره أبناؤه في خيام منفصلة، والذين كانوا يعيشون جميعا في منزل مكون من خمس طبقات قبل هدمه خلال الإبادة.

لم يعش الحاج فورة نكبة الـ 48 لكنه عانى تداعياتها التي ظلت تلاحق والده لحظة لجوئهم من مدينة يافا، فعندما هاجر والده من يافا وسكن في مخيم البريج وسط قطاع غزة وتزوج فيه ورزق بسبعة أبناء، عاش فورة في طفولته ويلات الهجرة الأولى بهجوم إسرائيلي مفاجئ على مخيم البريج في بداية الستينيات.

وبالرغم من مرور 78 سنة على النكبة الفلسطينية ما زالت آثارها تلاحق الشعب الفلسطيني في مخيمات اللجوء في قطاع غزة ومخيمات الإيواء أيضًا بعدما فقدوا منازلهم خلال إبادة إسرائيلية استمرت خلال عامين دمرت مساحات شاسعة من قطاع غزة وأصبح اللاجئ الفلسطيني يحمل صفة نازح أيضًا، في واقع مرير يعيشه أهالي القطاع.

تحت الأشجار

WhatsApp Image 2026-05-14 at 4.42.35 PM.jpeg
الحاج أحمد فورة يجلس أمام خيمته

يروي فورة لصحيفة "فلسطين" حكاية مغروسة في ذاكرته ومحفورة بين تجاعيد وجهه لم تمحها السنوات ولا أحداث الإبادة قائلاً وكأنه يرى المشاهد أمامه: "كان لنا بيت في منطقة المنشية في يافا، تركها أبي وجاء إلى البرج، وبعدما تزوج أنجب 7 أولاد. لحظة الهجوم كان عمري ست سنوات عندما جاءت الدبابات الإسرائيلية وبدأت تقصف المخيم، كنت أرى الناس تركض في الشوارع".

على مدار 20 يوما عاش فورة وأخوته ونحو 200 ناج بين أشجار أرض زراعية لجؤوا إليها بمخيم النصيرات لم يجدوا طعاما أو شرابا بعدما تركوا منزلهم وكل شيء ونجو بأرواحهم.

وبالرغم من مضي السنوات والعقود وبعدما كبر الحاج فورة وأصبح نجارا يملك منزلا من خمسة طوابق بشارع الجلاء بمدينة غزة، ومعارض للنجارة، عاد نازحا عام 2023 بعد تجدد الإبادة لمخيم النصيرات نفسه تاركا بيته ومعارضه وسيارته، لكنه كان يحمل هما أكبر بعدما كبر في السن وكان يصطبح أبنائه وزوجاتهم وأحفاده، في رحلة أيضا استمرت 20 يوما أمضاها في منطقة المغراقة وهنا فتحت لهم إحدى العائلات أبوابها قبل أن يهاجم جيش الاحتلال المكان ويتوجهوا نحو مخيم النصيرات، الذي آواه عندما كان طفلا صغيرا.

لا تفر من ذاكرته تفاصيل هذا اليوم، يتابع بعدما ارتشف من الشاي كان الحزن يسكن بين نبرات صوته: "نزحنا خلال الإبادة من المغراقة الساعة الخامسة فجرا، كنا نمشي وكوني أصبحت مسنًا وأعاني من القلب وارتفاع ضغط الدم تعبت، وكان معي أطفال ونساء أبنائي، والقصف يحيط بنا".

يقارن بين اللجوء والنزوح قائلا: "خلال ما بعد النكبة كانت أمي تحمل مسؤولياتي وأذهب معها، لكني وجدت خلال الحرب نفسي أحمل مسؤولية 40 فردا لم يكن معنا لا شادر ولا خيمة ولا أي شيء حتى وصلنا أبواب مدرسة حكومية بمخيم النصيرات وعشنا فيها في ظروف صعبة، وكنا جميعا ننام في فصل واحد".

في ظروف صعبة عاش في تلك المدرسة التي جرى قصفها في إحدى المرات، يقول: "كانت زوجتي تطهو الطعام لحظة القصف وأصيب ابني"، إلى أن نزح مع عائلته بعد استهداف جوي من جيش الاحتلال للمخيم، إلى مدينة رفح وعاش في خيمة عدة أشهر ثم نقل الخيم مع اجتياح الاحتلال لرفح في مايو/ أيار 2024 إلى منطقة الزوايدة وسط القطاع، حتى وقعت الهدنة في أواخر يناير/ كانون ثاني 2025، وغلبه الحنين إلى بيته ومحاله التجارية فكان أول الواصلين هو وعائلته لتبة "نويري".

ومع عدم سماح الاحتلال للنازحين بالمرور عبر التبة إلا بعد عدة ساعات في أول خرق للاتفاق، بات ليلته مع الأطفال في الشارع، وأكمل طريق العودة مشيًا لمسافة نحو 8 كيلو مترات تورمت قدماه خلالها يستذكر: "مشينا بالعتمة فجرا وكنا جميعا نمسك حبلا حتى لا نضيع عن بعضنا" ليقف أمام ركام منزله ومحاله التجارية التي تدمرت بالكامل ولم يجد شيئا منها.

يسكن الحاج فورة منذ سبعة أشهر بخيمة بملعب فلسطين أصبحت مأوى قسري له، لم يتوقع أن يعود للخيمة بعد كل هذه السنوات التي أمضاها، وكأنها امتداد لحياة ومعاناة لا زالت تلاحق اللاجئ الفلسطيني، يجاوره أبناؤه في خيام مجاورة بعدما كانوا يسكنون في شقق مرتفعة.

يقول والقهر يملأ صوته: "نعيش في الخيمة وكأننا بالشارع، تهاجمنا الأفاعي أحيانا أو القوارض والحشرات، ومياه الأمطار تدخل علينا، واليوم لا أستطيع الجلوس داخل الخيمة من الحر".

ويلات مستمرة

WhatsApp Image 2026-05-14 at 4.42.04 PM.jpeg
الحاجة جبرة أبو خوصة

في خيمة أخرى داخل المخيم ذاته، تسكن الحاجة جبرة جبر اسلاش "أبو خوصة" والبالغة من العمر 80 سنة، وهي لاجئة من قرية يبنا، كانت تبلغ من العمر عامين إبان اللجوء والنكبة عندما هاجر بها والداها تحت وطأة القصف العنيف.

تمشي بخطى متثاقلة على قدم وهنها العمر، تملأ التجاعيد وجهها بجسد نحيف، ترى بعين واحدة بصعوبة، لكنها لا زالت تحفظ بعض تفاصيل الهجرة الأولى، تحكي لصحيفة "فلسطين" بعدما جلست على كرسي بلاستيكي: "جئنا لبلدة بيت لاهيا شمال القطاع، ثم سكنا دير البلح وسط القطاع وبعدها عدنا لمنطقة المغراقة وعشنا ببيت "الشعر" قرب وادي غزة لعشرين سنة قبل أن ننتقل لمخيم الشاطئ وهناك تزوجت والآن أكبر أبنائي يبلغ من العمر 60 سنة".

اختصرت الحاجة جبرة الكثير من التفاصيل التي لم تسعفها ذاكرتها على تذكر أحداث أخرى، لكنها رأتها جميعا في الخيمة التي تعيش فيها حاليا والتي تصفها بأنها تشبه "قفص الدجاج"، وقبلها عاشت المجاعة الأولى في مدينة غزة التي لم تنزح خلالها، ومرت عليها أيام لم تجد لقمة تأكلها، فقدت اثنين من أولادها خلال الحرب وفقدت منزلها وتشردت مرة أخرى داخل خيمة لتعيش نكبتين.
لم يعش علاء جاد الله (55 سنة) النكبة، لكن كل ما كان يرويه له والده عن معاناة النكبة لحظة النزوح من بلدة "دير سنيد" عايشه واقعا خلال الإبادة الجماعية، فيقول لصحيفة "فلسطين" بينما كان يحاول مد المخيم بالمياه: "لا شك أن في كل مرحلة عاش الشعب الفلسطيني تفاصيل مؤلمة، فالنكبة الأولى أدت لتهجير آبائنا وأجدادنا من ديارنا، التي هاجروا منها إلى قطاع غزة، لكننا نزحنا في المدينة الواحدة عشرات المرات ولا زالت حياتنا غير مستقرة".

يصف جاد الله واقع النزوح الحالي في حديثه لصحيفة "فلسطين" بالمذل، وأضاف: "في هذه الأجواء كنا نحصل على البرودة بالنوم على بلاط المنازل، اليوم لا أحد يستطيع الجلوس خمس دقائق داخل الخيمة من شدة الحرارة".

WhatsApp Image 2026-05-14 at 4.42.49 PM.jpeg
علاء جاد الله

قبل لحظات بلل جاد الله شعره ووجهه لتخفيف الحرارة، وحتى استعمال المياه يكون بحذر بالنظر لشح المياه، وهي مشكلة أخرى يشرحها مستشهدا بحادثة تعطل سيارة المياه الصالحة للشرب قبل ثلاثة أيام ما أدى لحدوث أزمة داخل المخيم طالت جميع النازحين.

تؤرق القوارض والحشرات سكان المخيمات، كما أن الواقع الصحي والأمراض الجلدية المنتشرة تفاقم المأساة، فضلا عن اهتراء الخيام وعدم وجود قنوات صرف صحي للمياه فيضطر النازحون لسكب مياه الاستعمال المنزلي أمام الخيام ما يشكل بيئة لجلب البعوض والذباب والحشرات.

كان النازحون داخل المخيم يستلمون فرشة وغطاء شتوي لكل عائلة تسكن المخيم، يمشي الأطفال وهم حاملين الفرشة على أكتافهم في مشهد يذكر جاد الله بمشاهد الحياة إبان النكبة عندما كان اللاجئون يستلمون المساعدات من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" التي غيبت عن المشهد في محاولة لشطب الشاهد التاريخي على معاناة الشعب الفلسطيني.

تدمر بيت جاد الله خلال قصف الاحتلال عمارة "التاج" الواقعة بشارع اليرموك وأدت لأكثر من 300 شهيد في 25 أكتوبر/ تشرين أول 2023.

يصف الحياة داخل المخيمات بأنها "موت بطيء"، فقد خلالها النازحون كل مقومات الحياة وباتوا يعيشون داخل قطعة قماش قالوا لهم إنها "مأوى" بينما تفتقد لأدنى مقومات أن تكون مأوى، يتطلب كل شيء المعاناة في جلب المياه والطعام، مع غياب الدخل.

المصدر / فلسطين أون لاين