لم تعد الطفلة إيمان الهسي (12 عامًا) تشبه نفسها؛ فالسرطان الذي تسلل إلى جسدها الصغير لم يكتفِ بسرقة ملامح طفولتها، بل حوّل أيامها إلى معركة مفتوحة مع الألم والموت. وفي غزة المحاصرة، حيث تنهار المنظومة الصحية تحت وطأة الحرب، تجد إيمان نفسها عالقة بين ورم خبيث ينهش أحشاءها، وحصار يحرمها من فرصة العلاج والنجاة.
في غرفتها التي يثقلها الصمت والوجع، لا يُسمع سوى أنينها الخافت، بينما تجلس والدتها إلى جوارها ممسكة بيديها الباردتين، تراقب ابنتها وهي تذبل يومًا بعد آخر، وتحاول بصوت يختنق بالبكاء أن تروي لصحيفة "فلسطين" حكاية طفلة تواجه الموت مرتين؛ مرة بالمرض، وأخرى بانعدام العلاج.
تقول الأم وهي تمسح العرق عن جبين إيمان الشاحب: "لم تكن إيمان مجرد ابنة، بل كانت ضحكة البيت وروحه. قبل أشهر بدأت تشتكي من آلام في بطنها، وظنناها أعراضًا عابرة، لكن الوجع كان يتفاقم بسرعة مخيفة. ثم جاءت الصدمة عندما أخبرنا الأطباء أن ابنتي تعاني من ورم خبيث ونادر يُعرف باسم (Yolk Sac Tumor)، ويبلغ حجمه 14 سنتيمترًا".
وتتوقف الأم قليلًا قبل أن تتابع بصوت مرتجف: "هذا الورم لم يترك جزءًا في جسدها إلا وأتلفه؛ أصاب البطن والحوض والمبايض، وبدأ يؤثر على الرئتين، متسببًا في نزيف داخلي والتصاقات حادة في الأمعاء. أشعر أن ابنتي تذوب أمام عيني، وكأن الورم يتغذى على طفولتها".
وتنتقل الأم للحديث عن الواقع الصحي الكارثي في غزة، قائلة: "لو كانت إيمان في أي مكان آخر من العالم، لربما امتلكت فرصة حقيقية للعلاج والشفاء، لكن في غزة أصبح المرض حكمًا بالموت. الاحتلال لم يكتفِ بالقصف والدمار، بل دمّر المستشفيات والأجهزة الطبية، ومنع دخول الأدوية والمستلزمات اللازمة لعلاج المرضى".
وتضيف لصحيفة "فلسطين": "الأطباء هنا يبذلون ما بوسعهم رغم الإمكانيات المنعدمة، لكن ماذا يفعل الطبيب دون أدوية كيماوية أو أجهزة تشخيص؟ إيمان تحتاج إلى بروتوكول علاجي معقد، وجلسات كيماوي مكثفة، وعمليات جراحية دقيقة لاستئصال الورم، لكن كل ذلك تحول إلى حلم بعيد في ظل الحصار والحرب".
وبمرارة شديدة، تتحدث والدة إيمان عن أطفال غزة الذين سُلبت منهم أبسط حقوقهم، وتقول: "لولا الحرب والحصار، لكانت إيمان الآن في مدرستها، تلهو مع صديقاتها وتحلم بمستقبلها. أطفال العالم يحلمون بالألعاب والرحلات، أما ابنتي فتحلم فقط بليلة تنام فيها دون ألم".
وترى الأم أن إغلاق المعابر ومنع المرضى من السفر للعلاج يمثل "حكمًا بالإعدام" بحق الأطفال المرضى في غزة، مضيفة: "إنها إبادة صامتة تُنفذ داخل المستشفيات المتهالكة، بعيدًا عن عدسات العالم".
وتتابع: "نؤمن بقضاء الله وقدره، لكن الأصعب أن ترى طفلك يموت ببطء لأن بوابة حديدية مغلقة تمنعه من الوصول إلى العلاج. كل يوم يمر على إيمان في غزة يقربها أكثر من الموت".
وعن أملها الأخير، تقول الأم وهي تنظر نحو نافذة الغرفة: "عيننا معلقة بمعبر رفح، فهو بالنسبة لنا بوابة الحياة الوحيدة. إيمان بحاجة ماسة إلى تحويل عاجل للعلاج في الخارج قبل أن يتمكن الورم من جسدها بالكامل. كلما سمعنا أخبارًا عن احتمال فتح المعبر، يتجدد الأمل داخلنا، وكلما أُغلق نشعر أن الحياة تنطفئ أكثر".
وتختتم حديثها بنداء إنساني مؤلم: "أنقذوا إيمان.. لا تتركوا السرطان ينتصر على طفولتها. أناشد كل صاحب ضمير، وكل المؤسسات الدولية والحقوقية، أن تتحرك لإنقاذ المرضى في غزة. افتحوا المعابر، واسمحوا للأطفال بالحصول على حقهم في العلاج والحياة".
وتبقى إيمان الهسي معلقة بين حياة يهددها المرض والحصار، وموت يقترب منها كل يوم، بانتظار فرصة أخيرة قد تعيد إليها حقها في النجاة والطفولة.