قائمة الموقع

الاقتصاد الإسرائيلي بين النزيف الهيكلي وتآكل الثقة

2026-05-14T10:08:00+03:00
تصاعد الأزمات التي تضرب القطاعات الحيوية في دولة الاحتلال وتراجع الثقة بقدرة الاقتصاد على استعادة زخمه السابق
فلسطين أون لاين

على مدار العامين والنصف الماضيين، انتقل الحديث عن الاقتصاد الإسرائيلي من مرحلة التباطؤ المؤقت إلى ما يصفه مراقبون اقتصاديون بـ"النزيف الهيكلي"، في ظل تصاعد الأزمات التي تضرب القطاعات الحيوية وتراجع الثقة بقدرة الاقتصاد على استعادة زخمه السابق.

ولم تعد التداعيات الاقتصادية مرتبطة بجولات تصعيد عسكرية عابرة، بل باتت المؤشرات تعكس تحولًا بنيويًا يمس ركائز النمو الرئيسية، وفي مقدمتها قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، والإنشاءات، والسياحة، التي شكلت لعقود المحرك الأساسي للاقتصاد الإسرائيلي.

وتشير المعطيات الاقتصادية إلى تعرض هذه القطاعات لضغوط غير مسبوقة، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على الموازنة العامة، ودفعها نحو تسجيل مستويات عجز تاريخية، وسط ارتفاع كبير في النفقات العسكرية وتراجع الإيرادات.

ويرى مراقبون أن هذا العجز لم يمر دون تداعيات دولية، إذ خفضت وكالات التصنيف الائتماني، مثل Moody's وS&P Global، التصنيف الائتماني لإسرائيل عدة مرات، في خطوة تعكس تراجع ثقة المؤسسات المالية العالمية بقدرة الاقتصاد على التعافي السريع.

ويؤكد الخبير الاقتصادي نائل موسى أن قطاع السياحة كان أول المتضررين من تداعيات الحرب، موضحًا أن حركة السياحة الوافدة شهدت تراجعًا حادًا تجاوز 75% خلال فترات التصعيد، ما أدى إلى شلل شبه كامل في القطاع الذي يعد أحد أهم مصادر الدخل.

ويضيف موسى، لصحيفة "فلسطين"، أن الاقتصاد الإسرائيلي تكبد خسائر بمليارات الدولارات نتيجة هذا التراجع، حيث أغلقت مئات الفنادق والمنشآت السياحية أبوابها، وفقد آلاف العاملين وظائفهم، الأمر الذي أسهم في ارتفاع معدلات البطالة وتراجع الطلب الداخلي.

ويشير إلى أن الأزمة لا تقتصر على الخسائر المالية المباشرة، بل تمتد إلى تآكل "الثقة الدولية" بكون إسرائيل وجهة آمنة للسياحة والاستثمار، وهي مسألة قد تستغرق سنوات لمعالجتها حتى في حال توقف العمليات العسكرية.

أما قطاع الإنشاءات، الذي يمثل نحو 6% من الناتج المحلي الإجمالي، فيواجه أزمة معقدة نتيجة غياب العمالة الفلسطينية، التي كان يقدر عددها بنحو 100 ألف عامل قبل الحرب، ما تسبب بتوقف آلاف المشاريع السكنية ومشاريع البنية التحتية.

ورغم محاولات حكومة الاحتلال تعويض النقص عبر استقدام عمالة أجنبية من دول مثل الهند وسريلانكا، فإن التقديرات تشير إلى أن ما تم توفيره لا يتجاوز 10 إلى 15% من حجم العجز الفعلي في سوق العمل.

وأدى هذا النقص إلى سلسلة من التداعيات الاقتصادية، أبرزها ارتفاع أسعار العقارات نتيجة تراجع المعروض، إلى جانب زيادة تكاليف البناء بسبب ارتفاع أجور العمالة الأجنبية بنحو 30% مقارنة بالعمالة الفلسطينية.

كما واجهت العديد من شركات المقاولات الصغيرة والمتوسطة صعوبات متزايدة في الوفاء بالتزاماتها المالية، ما تسبب بتعثر بعضها في سداد القروض البنكية.

من جهته، يوضح المحلل الاقتصادي ثابت أبو الروس لـ"فلسطين" أن قطاع التكنولوجيا المتقدمة، الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد الإسرائيلي، يواجه تحديات غير مسبوقة تهدد مكانته كمحرك رئيسي للنمو.

ويشير أبو الروس إلى أن القطاع يساهم بنحو 18% من الناتج المحلي الإجمالي، ويشكل قرابة 50% من إجمالي الصادرات، إلا أن مؤشرات التباطؤ بدأت تظهر بوضوح خلال الفترة الأخيرة.

ويعزو ذلك إلى استدعاء أعداد كبيرة من جنود الاحتياط، الذين يشكلون نسبة معتبرة من الكفاءات العاملة في شركات التكنولوجيا، ما أدى إلى تراجع الإنتاجية وتعطيل عدد من المشاريع الحيوية.

كما تكشف البيانات عن تراجع الاستثمارات الأجنبية في القطاع بنحو 30% خلال العام الأخير، نتيجة تصاعد حالة عدم اليقين السياسي والأمني، وهو ما يهدد بتقليص دور التكنولوجيا كمحرك أساسي للاقتصاد الإسرائيلي.

ورغم محاولات شركات التكنولوجيا التكيف مع الظروف الحالية عبر الاعتماد على العمل عن بُعد أو نقل جزء من عملياتها إلى الخارج، فإن أبو الروس يصف هذه الخطوات بأنها "هروب صامت لرأس المال"، قد يتحول إلى نزيف دائم إذا استمرت الأوضاع الراهنة.

وفي سياق متصل، يبرز العجز المالي كأحد أخطر التحديات التي تواجه الاقتصاد الإسرائيلي، بعدما ارتفعت نفقات الحرب المباشرة وغير المباشرة إلى مستويات قياسية تُقدّر بنحو 60 مليار دولار، ما دفع حكومة الاحتلال إلى تبني إجراءات تقشفية شملت رفع الضرائب وتقليص الإنفاق المدني.

ورغم أن هذه السياسات تهدف إلى احتواء العجز، فإنها قد تؤدي، وفق تقديرات اقتصادية، إلى تباطؤ النمو وزيادة الأعباء المعيشية على المواطنين والشركات.

ويختتم أبو الروس تحليله بالتأكيد على أن الخطر الأكبر لا يكمن في الخسائر الآنية، بل في التآكل التدريجي لثقة المستثمرين، خاصة أصحاب الاستثمارات طويلة الأمد، مشددًا على أن الاقتصاد القائم على الابتكار والتكنولوجيا يحتاج إلى بيئة مستقرة وآمنة، وهو ما يبدو مهددًا في ظل استمرار حالة عدم اليقين السياسي والأمني.

اخبار ذات صلة