قائمة الموقع

فتح بين إرث الثورة وتحولات السلطة: قراءة استشرافية في مخرجات المؤتمر الثامن

2026-05-13T08:30:00+03:00
فلسطين أون لاين

 تحوّل المؤتمر الثامن لحركة فتح إلى مرآة سياسية عاكسة لحجم التحولات العميقة التي أصابت البنية الفتحاوية منذ انتقالها من موقع حركة التحرير إلى موقع سلطة الحكم، فالمؤتمر الذي كان يُفترض أن يشكّل محطة لإعادة ترميم الشرعية التنظيمية واستعادة التماسك الداخلي، بدا في نظر كثيرين أقرب إلى ساحة مفتوحة لصراع النفوذ، وإعادة هندسة موازين القوة داخل الحركة، وسط تصاعد غير مسبوق للاتهامات المتعلقة بالإقصاء، والتفصيل التنظيمي، وإعادة إنتاج مراكز القرار ذاتها.

لقد كشفت أجواء ما قبل المؤتمر وما بعده عن أزمة تتجاوز حدود الخلافات الشخصية أو التنافس التقليدي على المواقع، لتلامس جوهر الإشكال البنيوي الذي تعانيه الحركة منذ سنوات؛ أزمة تتعلق بطبيعة القيادة، وآليات التمثيل، وحدود المشاركة الداخلية، فضلاً عن غياب المراجعة السياسية لمسار التسوية والتنسيق الأمني، الذي بات أحد أكثر الملفات إثارةً للجدل داخل القاعدة الفتحاوية نفسها، وفي ظل تغييب عدد من الكوادر التاريخية والمفصولين، وتصاعد الخطاب الاحتجاجي من داخل البيت الفتحاوي، برزت تساؤلات حقيقية حول ما إذا كان المؤتمر الثامن يشكّل بداية استعادة للحركة، أم أنه يؤسس لمرحلة جديدة من الانكماش التنظيمي والانقسام الصامت.

إن خطورة المؤتمر تكمن في الدلالات السياسية العميقة التي يحملها بشأن مستقبل حركة فتح ودورها داخل النظام السياسي الفلسطيني، في لحظة تتقاطع فيها الأزمات الداخلية مع تحولات إقليمية ودولية تعيد تشكيل البيئة السياسية الفلسطينية بأكملها، ومن هنا يصبح المؤتمر الثامن اختباراً حقيقياً لقدرة الحركة على البقاء كإطار وطني جامع، أو تحولها التدريجي إلى بنية سلطوية مأزومة تُدير خلافاتها أكثر مما تُنتج مشروعاً وطنياً قادراً على التجديد.

المؤتمر الثامن: بين استحقاق التجديد وإعادة إنتاج مراكز النفوذ

دخلت حركة فتح نحو مؤتمرها الثامن تحت عنوان التجديد التنظيمي واستعادة الحيوية الداخلية، غير أن المسار العملي الذي سبق انعقاده كشف أن الحركة لم تكن تتجه نحو إعادة بناء ذاتها بقدر ما كانت تعيد ترتيب خرائط النفوذ داخل بنيتها المتعبة، فالمؤتمر الذي تأخر سنوات طويلة عن موعده الطبيعي، جاء في لحظة سياسية شديدة الهشاشة؛ تراجع في الشرعية الشعبية، انسداد في الأفق السياسي، تصاعد الانتقادات لمسار السلطة، وشيخوخة واضحة في البنية القيادية، ومع ذلك بدا أن أولوية المؤتمر لم تكن إنتاج رؤية سياسية جديدة، ولكن إعادة تثبيت مركز الثقل السلطوي داخل الحركة.

لقد تحوّل المؤتمر، تدريجياً، من مساحة يُفترض أن تُدار فيها مراجعات سياسية وتنظيمية عميقة، إلى ما يمكن وصفه بهندسة التوازنات المغلقة، حيث جرى توظيف الأدوات التنظيمية لإعادة تدوير النواة القيادية ذاتها، مع إدخال تعديلات محسوبة لا تمس جوهر موازين القوة، وهذا ما يفسر حالة الاحتقان التي سبقت المؤتمر، خصوصاً مع تصاعد الحديث عن قوائم جاهزة، وتفاهمات فوقية، ومحاولات لإعادة إنتاج المشهد التنظيمي وفق قاعدة الولاء قبل الكفاءة.

وفي السياق ذاته، فإن غياب أي مراجعة فعلية لمسار الحركة السياسي، منذ أوسلو وحتى اليوم، يعكس طبيعة الأزمة الحقيقية، فالحركة التي قادت المشروع الوطني لعقود، دخلت مؤتمرها الثامن دون أن تفتح ملفات الإخفاقات الكبرى، أو تناقش بعمق التحولات التي أصابت دورها ووظيفتها، وبدل أن يكون المؤتمر لحظة مصارحة تنظيمية، بدا أقرب إلى عملية إدارة أزمة داخلية هدفها احتواء التصدعات لا معالجتها.

تصاعد الانقسامات داخل فتح

الخلافات داخل حركة فتح هي تراكم ممتد منذ سنوات طويلة، غير أن المؤتمر كشف حجم التصدع الصامت الذي ظل يُدار خلف الجدران التنظيمية المغلقة قبل أن يطفو إلى السطح بصورة علنية، فالحركة التي نجحت تاريخياً في احتواء تناقضاتها تحت عنوان البيت الفتحاوي الواحد، تبدو اليوم أمام مشهد مختلف؛ تيارات متنافسة، أجنحة متصارعة، ومراكز قوة تتنازع النفوذ داخل مؤسسة تعاني أصلًا من إنهاك سياسي وتنظيمي عميق.

لقد أظهرت مرحلة ما قبل المؤتمر حجم الاستقطاب الداخلي، خصوصاً مع تصاعد الخلافات حول آليات اختيار المشاركين، وشكل التمثيل، وتركيبة القيادة المقبلة، وبدل أن يشكّل المؤتمر مساحة لاحتواء هذه التباينات، تحوّل إلى ساحة مكشوفة لما يمكن تسميته بالانقسام المؤجل، حيث خرجت الخلافات من الإطار التنظيمي الضيق إلى المجال الإعلامي والسياسي بشكل غير مسبوق.

وتبرز هنا أزمة أعمق من مجرد التنافس على المواقع؛ إنها أزمة تتعلق بطبيعة فتح نفسها بعد عقود من التحول من حركة تحرير إلى سلطة، فداخل الحركة اليوم تيارات ترى أن الأولوية هي حماية بنية السلطة واستقرارها، مقابل أصوات أخرى تعتبر أن الحركة فقدت تدريجياً هويتها الكفاحية وتحولت إلى جهاز بيروقراطي مُثقَل بالارتباطات السياسية والأمنية، هذا التناقض البنيوي هو ما جعل المؤتمر الثامن أقرب إلى لحظة انكشاف داخلي أكثر من كونه محطة وحدة.

كما أن استمرار غياب الأطر الديمقراطية الفاعلة داخل الحركة ساهم في تعميق الأزمة، فحين تُغلق قنوات النقاش الحقيقي، تتحول الخلافات إلى احتقان متراكم ينفجر عند كل استحقاق تنظيمي، ولذلك لم يعد الانقسام داخل فتح مجرد خلاف بين أشخاص أو أجيال، ولكنه أصبح صراعاً على تعريف الحركة نفسها هل ما زالت حركة تحرير وطني، أم أنها باتت أسيرة منطق السلطة وإدارة التوازنات؟

ومن هنا، فإن أخطر ما كشفه المؤتمر هو تآكل قدرة الحركة على احتوائها ضمن إطار جامع، وهو ما يهدد بتحول الانقسام التنظيمي إلى حالة دائمة تُضعف مركزية فتح داخل النظام السياسي الفلسطيني.

هندسة الداخل الفتحاوي وفق موازين الولاء

واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في سياق المؤتمر الثامن كانت الاتهامات المتزايدة المتعلقة بسياسة الإقصاء وإعادة تفصيل البنية التنظيمية بما يخدم تياراً بعينه داخل الحركة، فقد تصاعدت الانتقادات من كوادر وقيادات فتحاوية تحدثت عن إعادة هندسة الداخل التنظيمي عبر التحكم في العضوية، وآليات التمثيل، ومسارات الترشيح، بصورة تضمن إنتاج قيادة منسجمة مع مركز القرار القائم.

هذه الاتهامات استندت إلى وقائع تراكمت خلال السنوات الأخيرة، أبرزها سلسلة الإجراءات التنظيمية بحق معارضين داخليين، واستبعاد شخصيات محسوبة على تيارات مختلفة، إضافة إلى تضييق المساحات أمام الأصوات المنتقدة داخل الأطر التنظيمية، وبذلك أصبح الإقصاء يُقرأ باعتباره جزء من استراتيجية ضبط داخلي تهدف إلى إنتاج حركة أقل تنوعاً وأكثر قابلية للسيطرة.

لقد دخلت فتح تدريجياً في مركزية الولاء، حيث بات معيار القرب من دوائر النفوذ أكثر تأثيراً من التاريخ التنظيمي أو الكفاءة السياسية، وهذا التحول يشير إلى انتقال الحركة من نموذج التعددية الفتحاوية التي ميّزتها تاريخياً، إلى نموذج التجانس القسري الذي يُدار عبر أدوات الإقصاء والاحتواء.

وفي هذا السياق، بدا المؤتمر الثامن بالنسبة لكثيرين وكأنه محاولة لإعادة صياغة فتح على مقاس السلطة، لا على مقاس تاريخها الكفاحي الواسع، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول مستقبل الحياة الداخلية للحركة، وحدود قدرتها على البقاء كإطار جامع لا كمنصة مغلقة لإدارة النفوذ.

تغييب الكوادر التاريخية والمفصولين؛ أزمة ذاكرة تنظيمية أم تصفية سياسية؟

شكّل تغييب عدد من الكوادر التاريخية والمفصولين عن المشهد المرتبط بالمؤتمر الثامن أحد أكثر المؤشرات دلالة على عمق الأزمة الداخلية داخل حركة فتح، فالحركة التي قامت تاريخياً على تعدد الرموز والتيارات، بدت في هذه المرحلة وكأنها تتجه نحو تفريغ الذاكرة التنظيمية من كل الأصوات التي لا تنسجم مع البنية القيادية الحالية.

لقد أثار استبعاد شخصيات فتحاوية ذات ثقل تاريخي وتنظيمي جدلاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والتنظيمية، خصوصاً أن بعض هذه الشخصيات لعبت أدواراً مركزية في مراحل مفصلية من تاريخ الحركة، وبينما بررت القيادة ذلك باعتبارات تنظيمية أو قانونية، رأى منتقدون أن ما يجري يتجاوز فكرة الانضباط الداخلي إلى ما يشبه إعادة كتابة الشرعية الفتحاوية وفق معايير الولاء السياسي الراهن.

وتكمن خطورة هذا المسار في أنه يُقصي روايات وتجارب وتوازنات تاريخية شكّلت هوية الحركة لعقود، فحين تُدفع الكوادر التاريخية إلى الهامش، تفقد الحركة جزءً من ذاكرتها السياسية، وتتحول تدريجياً إلى بنية أقل قدرة على إنتاج التراكم الوطني والتنظيمي.

كما أن تغييب المفصولين وعدم فتح أي مسار جدي للمصالحة الداخلية عكس محدودية الإرادة الحقيقية في إعادة ترميم البيت الفتحاوي، فبدل أن يكون المؤتمر فرصة لاحتواء التشققات وإعادة دمج المكونات المختلفة، بدا وكأنه يؤسس لـ "فتح الانتقائية"، أي الحركة التي تعترف فقط بمن ينسجم مع مركز القرار القائم.

ومن الناحية السياسية، فإن استمرار هذا النهج يطرح إشكالية خطيرة تتعلق بشرعية المؤتمر نفسه، لأن أي مؤتمر يُعقد في ظل غياب شريحة واسعة من الكوادر التاريخية والمعارضة سيفقد جزءً من قدرته على الادعاء بأنه يمثل الحركة بكل تنوعاتها، وهنا تتجاوز الأزمة حدود الخلاف التنظيمي لتتحول إلى سؤال أعمق يتعلق بمن يملك حق تمثيل فتح، ومن يحدد حدود الشرعية داخلها، في لحظة تبدو فيها الحركة أمام أخطر اختبار داخلي منذ سنوات طويلة.

شرعية التمثيل داخل المؤتمر: من يمثل فتح فعلاً؟

منذ الإعلان عن التحضيرات للمؤتمر الثامن، برز سؤال جوهري داخل الأوساط الفتحاوية والسياسية: من يملك حق تمثيل فتح اليوم؟ فالحركة التي لطالما قدّمت نفسها باعتبارها الإطار الوطني الجامع وجدت نفسها أمام أزمة تمثيل معقدة تتجاوز البعد التنظيمي إلى البعد السياسي والرمزي، إذ لم يعد الجدل مقتصراً على أسماء المشاركين أو نسب الأقاليم، بقدر ما اتسع ليشمل شرعية البنية التنظيمية نفسها بعد سنوات طويلة من التآكل الداخلي والتجميد المؤسساتي.

ومنذ المؤتمر السابع الذي عُقد في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، تصاعدت الانتقادات المرتبطة بآليات الاختيار، خاصة مع تزايد نفوذ التعيين التنظيمي على حساب الانتخابات الداخلية الواسعة، وقد عاد الجدل ذاته بصورة أكثر حدة قبيل المؤتمر الثامن، في ظل اتهامات بأن تركيبة المشاركين خضعت لاعتبارات الضبط السياسي أكثر من تعبيرها عن الوزن الحقيقي للقاعدة التنظيمية في الأقاليم والساحات الخارجية.

هذا الجدل لا ينفصل عن التحولات التي أصابت بنية فتح خلال العقدين الأخيرين، فالحركة التي اعتمدت تاريخياً على الامتداد الشعبي والمرونة التنظيمية، انتقلت تدريجياً نحو نموذج أكثر مركزية، تتحكم فيه دوائر الشرعية المغلقة، حيث تُدار عملية التمثيل من أعلى إلى أسفل، لا عبر التفاعلات القاعدية الطبيعية، وهنا تتعمق أزمة التمثيل الرمزي، حين تصبح المؤسسات التنظيمية أقل قدرة على عكس المزاج الحقيقي للحركة وقواعدها.

كما أن تغييب قطاعات واسعة من الكوادر المعارضة أو الشخصيات المفصولة خلق شعوراً بأن المؤتمر لا يمثل فتح بكل تناقضاتها، بقدر ما يمثل النسخة المقبولة داخل مركز القرار الحالي، وهذا ما عزز خطاباً داخلياً يعتبر أن الحركة دخلت مرحلة إعادة تعريف العضوية السياسية، حيث يُعاد رسم حدود الانتماء وفق معيار الانسجام مع القيادة لا وفق التاريخ النضالي أو الثقل التنظيمي، ولذلك فإن السؤال الحقيقي الذي يطرحه المؤتمر الثامن: هل ما تزال فتح قادرة على تمثيل نفسها أولاً قبل تمثيل المشروع الوطني الفلسطيني؟

غياب المراجعة السياسية.. التسوية والتنسيق الأمني كملفات مؤجلة

رغم حجم التحولات السياسية التي مرت بها القضية الفلسطينية منذ توقيع اتفاق أوسلو عام 1993، بدا لافتاً أن المؤتمر الثامن لم يقترب بصورة جدية من مراجعة المسار السياسي الذي قادته فتح طوال العقود الماضية، فبدل أن يكون المؤتمر مساحة للمحاسبة السياسية، جرى التعامل مع ملفات شديدة الحساسية -وعلى رأسها التسوية والتنسيق الأمني- بوصفها مناطق مؤجلة أو محرّمة تنظيمياً.

هذا الغياب يعكس طبيعة الأزمة التي تعيشها الحركة، فمنذ تأسيس السلطة الفلسطينية عام 1994، دخلت فتح تدريجياً في معادلة معقدة جمعت بين قيادة مشروع تحريري وإدارة سلطة مقيدة باتفاقات سياسية وأمنية، ومع مرور الوقت، تحولت هذه المعادلة إلى حالة من الازدواج الوظيفي، حيث باتت الحركة عاجزة عن حسم هويتها بين منطق المقاومة ومنطق إدارة السلطة.

لقد شكّل التنسيق الأمني واحداً من أكثر الملفات إثارة للجدل داخل الشارع الفلسطيني، خاصة بعد تصاعد الانتقادات له خلال الانتفاضة الثانية (2000–2005)، ثم بعد الانقسام الفلسطيني عام 2007، وصولاً إلى سنوات التصعيد الصهيوني المتكرر في الضفة الغربية، ورغم ذلك لم تظهر داخل المؤتمر أي إرادة حقيقية لإعادة تقييم هذا المسار أو مساءلة نتائجه السياسية والشعبية.

كما أن غياب النقاش الجدي حول فشل مسار التسوية بعد أكثر من ثلاثة عقود على أوسلو، يعكس ما يمكن وصفه بالجمود العقائدي السلطوي، أي العجز عن إنتاج مراجعة فكرية تتناسب مع حجم التحولات الميدانية والسياسية، فالحركة التي قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود، دخلت مؤتمرها الثامن دون أن تجيب عن أسئلة مصيرية: ماذا بقي من مشروع الدولة؟ ما جدوى الرهان على المسار التفاوضي؟ وكيف يمكن إعادة تعريف الاستراتيجية الوطنية في ظل الوقائع الجديدة؟

وهنا تتجلى المفارقة الكبرى؛ فبينما كانت القواعد التنظيمية تنتظر خطاباً نقدياً يعترف بالإخفاقات ويؤسس لمرحلة مراجعة، بدا المؤتمر وكأنه يفضل إدارة الصمت السياسي بدل فتح الملفات الثقيلة، وهذا ما جعل كثيرين يرون أن المؤتمر لم يؤجل فقط النقاش حول التسوية والتنسيق الأمني، ولكنه أجّل أيضاً مواجهة الحقيقة السياسية الأكثر إيلاماً داخل فتح.

فتح بين إرث الثورة وتحولات السلطة

حين انطلقت حركة فتح في الأول من يناير/كانون الثاني 1965، تشكّلت بوصفها حركة تحرير وطني تحمل خطاباً ثورياً عابراً للحسابات الفصائلية التقليدية، غير أن المسار الذي قاد الحركة لاحقاً، خصوصاً بعد قيام السلطة الفلسطينية عام 1994، أنتج تحولات عميقة أعادت تشكيل هويتها ووظيفتها السياسية بصورة تدريجية.

لقد انتقلت فتح من "حركة الثورة" إلى "مؤسسة السلطة"، ومن منطق التعبئة الوطنية إلى منطق الإدارة السياسية والأمنية، وهذا التحول أصاب البنية الفكرية والتنظيمية للحركة، فمع توسع مؤسسات السلطة، بدأت تتراجع تدريجياً مركزية المشروع التحريري لصالح أولويات الحكم وإدارة الواقع اليومي، وهو ما خلق فجوة متنامية بين الإرث الثوري التاريخي ومتطلبات البنية السلطوية الجديدة.

ومع مرور السنوات، خاصة بعد رحيل الرئيس ياسر عرفات في نوفمبر/تشرين الثاني 2004، دخلت الحركة مرحلة أكثر تعقيداً، حيث تصاعد نفوذ "البيروقراطية السياسية" داخلها على حساب الحالة التعبوية والتنظيمية التقليدية، ثم جاء الانقسام الفلسطيني عام 2007 ليعمّق هذا التحول، إذ أصبحت فتح عملياً العمود الفقري للسلطة في الضفة الغربية، بكل ما يرافق ذلك من التزامات أمنية واقتصادية وسياسية.

هذا التحول أوجد ما يمكن وصفه بـ "الاغتراب التنظيمي"، حيث بدأت قطاعات واسعة داخل الحركة تشعر بأن فتح التي قادت الكفاح الوطني لم تعد هي نفسها فتح التي تُدار اليوم بمنطق السلطة وإدارة الأزمات، ولذلك أصبح الصراع داخل الحركة صراعاً على تعريف الهوية السياسية ذاتها: هل فتح ما تزال حركة تحرير؟ أم أنها تحولت إلى إطار سلطوي يسعى للحفاظ على استقرار البنية القائمة؟

ويكشف المؤتمر الثامن عمق هذه الأزمة بوضوح، فبدل أن يطرح مشروعاً يعيد التوازن بين الإرث الثوري ومتطلبات الواقع السياسي، بدا وكأنه يعزز الوظيفة السلطوية للحركة أكثر من إعادة إحياء بعدها التحريري، وهذا ما يفسر تنامي الخطاب الذي يرى أن فتح أصبحت تواجه أزمة تعريف تاريخي لدورها وموقعها في المرحلة المقبلة.

المؤتمر الثامن ومستقبل النظام السياسي الفلسطيني

لا يمكن قراءة المؤتمر الثامن لحركة فتح باعتباره شأناً تنظيمياً داخلياً فحسب، لأن الحركة ما تزال تمثل العمود المركزي داخل بنية النظام السياسي الفلسطيني، سواء في السلطة الفلسطينية أو منظمة التحرير، ولذلك فإن أي تحولات داخل فتح تنعكس تلقائياً على شكل القيادة الفلسطينية المقبلة وعلى طبيعة التوازنات السياسية في المرحلة القادمة.

ويأتي المؤتمر في لحظة شديدة الحساسية؛ انسداد سياسي كامل، تصاعد غير مسبوق في التوتر بالضفة الغربية منذ عام 2022، حرب مدمرة على قطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، إضافة إلى تصاعد الحديث إقليمياً ودولياً عن "اليوم التالي" وإعادة ترتيب المشهد الفلسطيني، وفي ظل هذه التحولات، بدا أن المؤتمر الثامن يناقش مستقبل النظام الفلسطيني بأكمله.

أحد أبرز المؤشرات التي كشفها المؤتمر يتمثل في تعاظم "أزمة الانتقال السياسي"، خاصة مع تقدم القيادة الحالية في العمر وغياب رؤية واضحة لآليات الخلافة السياسية والتنظيمية، وهذا ما يجعل المؤتمر جزءً من معركة مبكرة حول شكل القيادة القادمة داخل فتح والسلطة ومنظمة التحرير معاً.

كما أن استمرار منطق الإقصاء وتضييق المجال التنظيمي قد يدفع نحو مزيد من التشظي داخل الحركة، الأمر الذي سينعكس على توازنات النظام الفلسطيني ككل، ففتح ليست مجرد فصيل سياسي؛ إنها البنية التي يستند إليها النظام الرسمي الفلسطيني منذ عقود، وأي اهتزاز داخلي فيها يعني اهتزازاً في مركز الثقل السياسي الفلسطيني.

وفي المقابل، فإن غياب المراجعات السياسية الحقيقية يفتح الباب أمام سيناريو أكثر خطورة، يتمثل في اتساع الفجوة بين القيادة والشارع الفلسطيني، خصوصاً لدى الأجيال الجديدة التي باتت تنظر بعين ناقدة إلى البنية التقليدية للنظام السياسي، وهنا يصبح المؤتمر الثامن علامة على أزمة تجدد وطني لا مجرد أزمة تنظيمية داخلية.

استشرافياً، يبدو أن فتح تقف أمام مفترق تاريخي: إما أن تتحول أزمتها الحالية إلى لحظة مراجعة عميقة تعيد إنتاج الحركة بصورة أكثر شمولاً وقدرة على استيعاب التحولات، أو أن يستمر مسار الانكماش السلطوي الذي قد يقود تدريجياً إلى تآكل قدرتها على احتكار مركز القيادة الفلسطينية كما فعلت لعقود طويلة.

في المحصلة، يبدو المؤتمر الثامن لحركة فتح لحظة انكشاف سياسي تعكس حجم التحولات التي أصابت الحركة منذ انتقالها من خنادق الثورة إلى تعقيدات السلطة، فالأزمة أصبحت أزمة مشروع وهوية ووظيفة وطنية تتآكل تحت وطأة الانقسام، وغياب المراجعة، وإدارة النفوذ المغلق.

وإذا كانت فتح قد استطاعت لعقود أن تمثل العمود الفقري للحالة الوطنية الفلسطينية، فإن قدرتها على البقاء كذلك اليوم باتت مرهونة بمدى استعدادها لمواجهة أسئلتها المؤجلة، لا الهروب منها، لأن الحركات الكبرى حين تفقد قدرتها على تجديد ذاتها من الداخل، وبين إرث الثورة وثقل السلطة، تقف فتح أمام اختبار تاريخي حاسم: إما استعادة روح الحركة الجامعة، أو التحول التدريجي إلى بنية سياسية تُدير أزمتها بدل أن تقود مشروعاً وطنياً قادراً على صناعة المستقبل.

اخبار ذات صلة