قائمة الموقع

رنين طوطح.. طالبة هندسة تتحدى الحرب والنزوح لتحمي حلمها الجامعي

2026-05-12T12:49:00+03:00
الطالبة رنين طوطح
فلسطين أون لاين

بين خيام النزوح وانقطاع الكهرباء وضعف الإنترنت، تحاول الشابة الفلسطينية رنين طوطح أن تتمسك بما تبقى من حلمها الجامعي، في واقع تلتهمه الحرب يومًا بعد آخر. فطالبة هندسة الحاسوب، التي كانت تقترب من التخرج وبناء مستقبلها المهني، وجدت نفسها تخوض معركة مختلفة؛ معركة للحفاظ على حقها في التعليم والحياة الطبيعية، وسط نزوح متكرر، وحرمان من أبسط مقومات الدراسة، وانتظار طويل لخطيبها العالق خارج غزة بسبب إغلاق المعابر.

قصة رنين ليست استثناءً، بل نموذجًا لمعاناة آلاف الطلبة في قطاع غزة، الذين تحولت سنواتهم الجامعية إلى رحلة يومية من البحث عن الكهرباء والإنترنت ومكان آمن للدراسة، في ظل حرب مستمرة وحصار يخنق تفاصيل حياتهم ومستقبلهم.

قبل الحرب، كانت رنين تدرس هندسة الحاسوب، وقد أنهت ثلاث سنوات جامعية، واقتربت تدريجيًا من تحقيق حلمها بالتخرج والعمل. وكانت ترى في التعليم وسيلتها لبناء مستقبل مختلف، ومساعدة عائلتها التي تعاني أوضاعًا اقتصادية صعبة، خاصة مع محدودية فرص العمل وارتفاع تكاليف الحياة في قطاع غزة المحاصر.

النزوح المتكرر

لكن مع اندلاع الحرب، انقلبت حياتها رأسًا على عقب؛ أُغلقت الجامعات، وتشتت الطلبة بين مراكز الإيواء ومناطق النزوح، بينما تحولت الدراسة الإلكترونية إلى تحدٍّ يومي يفوق قدرة الكثيرين.

وتقول رنين إن النزوح المتكرر كان من أصعب ما واجهته خلال سنوات الدراسة الأخيرة، إذ تنقلت مع عائلتها بين عدة مناطق، بدءًا من مدرسة الجعوني في النصيرات، ثم منطقة الشاكوش، وصولًا إلى منطقة أصداء غرب خانيونس، وكانت تضطر في كل مرة لإعادة ترتيب حياتها من الصفر وسط فقدان الخصوصية وانعدام الظروف الملائمة للدراسة.

وتوضح أن المشكلة لم تكن في النزوح وحده، بل في كل ما يرافقه من انقطاع دائم للكهرباء وضعف خدمات الإنترنت، ما جعل متابعة المحاضرات الجامعية أو تنفيذ المشاريع الدراسية أمرًا شبه مستحيل.

وتقول: "كنا نبحث عن أي مكان تتوفر فيه إشارة إنترنت أو نقطة شحن"، مشيرة إلى أن ساعات طويلة من يومها كانت تضيع فقط في محاولة تشغيل هاتفها أو الوصول إلى الشبكة لتنزيل المحاضرات وإرسال المهام المطلوبة.

وأضافت أن بعض الفتيات في مناطق النزوح كن يساعدنها أحيانًا عبر توفير شرائح إلكترونية أو مشاركة الإنترنت معها، في محاولة جماعية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مستقبلهم الدراسي.

ورغم أن تخصص هندسة الحاسوب يعتمد بشكل أساسي على توفر الأجهزة الإلكترونية والكهرباء المستقرة، فإن رنين كانت تفتقد لكل تلك المقومات، إذ اعتمدت على حاسوب قديم يعود لشقيقها، تعطلت بطاريته منذ فترة طويلة، ولم يعد يعمل إلا عند توفر الكهرباء، وهو أمر نادر في غزة.

وتوضح أن ذلك أجبرها في كثير من الأحيان على الذهاب إلى منزل إحدى زميلاتها للعمل معها على مشروع التخرج، لأن تطبيقات البرمجة والمشاريع العملية كانت تحتاج إلى أجهزة أفضل واتصال إنترنت أكثر استقرارًا.

وتقول: "تخصصي يحتاج إلى حاسوب قوي وكهرباء وإنترنت بشكل دائم، وكل هذه الأشياء أصبحت شبه معدومة"، مؤكدة أن الظروف الحالية جعلت حتى التخصصات التقنية الحديثة شبه مشلولة داخل القطاع.

تحديات صعبة

ولم تتوقف المعاناة عند الدراسة فقط، فالحرب أثرت أيضًا على أبسط التفاصيل اليومية المرتبطة بالتعليم والعمل، إذ تعرض هاتفها المحمول لأضرار بسبب الشحن عبر مصادر كهرباء غير مستقرة، كما سُرقت بعض المستلزمات التي حاولت عائلتها إرسالها لها من الخارج قبل وصولها إليها.

وتشير إلى أن شقيقتها المقيمة خارج غزة حاولت إرسال شاشة جديدة لهاتفها وبطارية كهربائية تساعدها في الدراسة والعمل، لكنهما سُرقتا قبل أن تصلا إليها، ما ضاعف شعورها بالعجز في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع أسعار الأجهزة الإلكترونية بشكل هائل داخل القطاع.

ورغم تلك التحديات، تمكنت رنين من مواصلة تعليمها حتى أنهت سنوات الدراسة المطلوبة، وأنجزت مشروع التخرج بعد معاناة طويلة خلال الحرب والنزوح، لكنها لا تزال تنتظر موعدًا رسميًا لمناقشته، بسبب حالة الاضطراب التي تعيشها الجامعات في غزة.

وتصف شعورها بعد إنهاء الدراسة بأنه خليط من الفرح والإرهاق، فهي تدرك أنها تجاوزت مرحلة شديدة القسوة، لكنها تخشى في الوقت نفسه من مستقبل مجهول في ظل انهيار سوق العمل وغياب أي بيئة قادرة على استيعاب الخريجين الجدد.

فمجال هندسة الحاسوب، الذي كان يفترض أن يفتح أمامها فرصًا للعمل والتطوير، بات يحتاج إلى إمكانيات غير متوفرة في غزة، مثل الكهرباء الدائمة والإنترنت السريع والأجهزة الحديثة، وهي أمور أصبحت بالنسبة لكثير من الشباب رفاهية يصعب الوصول إليها.

وتؤكد رنين أن الكثير من الطلبة والخريجين يشعرون اليوم بأن سنوات تعليمهم مهددة بالضياع، لأن الواقع الحالي يمنعهم حتى من ممارسة الحد الأدنى من التدريب أو العمل عن بُعد، رغم أن تخصصاتهم تعتمد أساسًا على التكنولوجيا.

وفي خضم تلك المعاناة، بقي جانب آخر من حياتها معلقًا؛ ارتباطها بخطيبها المقيم في السعودية. فبعد قصة تعارف تعود إلى سنوات الطفولة، تقدم لخطبتها عام 2022، وكان من أكثر الداعمين لاستكمالها تعليمها الجامعي.

لكن الحرب وإغلاق معبر رفح ومنع حرية الحركة حوّلا علاقتهما إلى انتظار طويل، إذ لم تتمكن رنين من رؤيته منذ سنوات، وأصبح التواصل بينهما يقتصر على مكالمات متقطعة كثيرًا ما تنتهي بسبب ضعف الشبكات أو انعدام الإنترنت خلال النزوح.

وتقول: "الاحتلال لا يحاصر حركة البضائع والأشخاص فقط، بل يحاصر أيضًا أحلام الشباب وحياتهم وعلاقاتهم الإنسانية، ويجعل أبسط الخطط المستقبلية مؤجلة إلى أجل غير معلوم".

وتختتم رنين حديثها بالتأكيد على أن شباب غزة لا ينقصهم الطموح أو الإرادة، لكنهم يعيشون في ظروف تسحق أي محاولة للاستقرار أو بناء المستقبل، مضيفة: "نحاول أن نكمل تعليمنا ونعيش حياة طبيعية، لكن كل يوم يحمل عائقًا جديدًا بسبب الحرب والحصار والنزوح"

اخبار ذات صلة