شيّع قطاع غزة جثمان عزام خليل الحية، نجل القيادي في حركة حماس ورئيس وفدها المفاوض، في السابع من مايو 2026، الذي استشهد متأثرًا بجراحه من جراء غارةٍ "إسرائيلية" استهدفته ومجموعةً من المواطنين في حي الدرج شرق مدينة غزة؛ ليكون عزام الابن الرابع من أبناء د. خليل الحية الذين قضوا شهداء خلال فتراتٍ متباعدةٍ من الصراع مع الاحتلال، في مشهدٍ يكثف الإستراتيجية "الإسرائيلية" في أبهى تجلياتها، حيث التفاوض بالدم، والضغط بالنار. وكان الاحتلال قد استخدم ذات الأسلوب مع إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي السابق لحركة حماس، حين اغتال ثلاثةً من أبنائه مع عددٍ من أحفاده خلال مرحلةٍ حرجةٍ من التفاوض، خلال معركة طوفان الأقصى.
غير أن ما يجعل حدث اغتيال عزام مفصليًا ليس قساوته الإنسانية فحسب، بل دلالاته الاستراتيجية العميقة؛ حيث وقع الاستهداف في الوقت الذي كان فيه الدكتور خليل الحية منهمكًا بمتابعة تفاصيل التفاوض في القاهرة، حيث لم يكن التزامن مصادفةً، بل نمطٌ "إسرائيلي" متعمد يعكس فلسفة فرض إيقاعٍ تفاوضيٍ جديد تحت وقع الاغتيالات، واستنزاف إرادة الوفد المفاوض من خلال استهداف ما هو أغلى من الموقف السياسي، الذي لم يستطع انتزاعه حتى اللحظة، حسب اعتقاده.
وعليه، فإنه لا بد من وضع استهداف نجل الحية في سياقه البنيوي، لا الحادثاتي. فمنذ اغتيال إسماعيل هنية في طهران نهاية يوليو 2024، ومن قبلها اغتيال أبنائه في غزة، ثم محاولة اغتيال قيادات الحركة، ومن ضمنهم خليل الحية، في الدوحة خلال سبتمبر 2025، والتي قضى فيها نجله همام، يتشكل نمط إستراتيجي واضح المعالم، حيث يدرك الاحتلال عجزه عن كسر الوفد المفاوض بالحجج والصياغات، ليلجأ لإضعاف الوفد المفاوض بالاستهداف الشخصي والعائلي. ورغم تبريره بعدم أهمية عزام كهدفٍ "إسرائيلي"، إلا أن ذلك يكشف حجم التناقض "الإسرائيلي" في المواقف، حيث يحاول توجيه رسالةٍ ضمنية للوفد المفاوض بأن الجميع أهداف "مشروعة" له ما دام يتمسك بالمبادئ.
تفاصيل المشهد الحقيقي لا تترجم على طاولة التفاوض فحسب، بل في مشهد مسارين متوازيين؛ ويتمثل المسار الأول في الدبلوماسية في القاهرة والدوحة، حيث مناقشة الوفد المفاوض مع الوسطاء بنود وقف إطلاق النار وترتيبات اليوم التالي، كما يتمثل المسار الثاني بالمشهد العسكري والنفسي على أرض القطاع، حيث يحاول الاحتلال ترجمة كل تقدم تفاوضي على الطاولة إلى ثمنٍ دموي يُدفع على الأرض.
وتُعد هذه الاستراتيجية المزدوجة ليست جديدة، لكنها وصلت في المرحلة الراهنة إلى ذروة إحكامها. كما أن فهم السلوك التفاوضي والميداني لحركة حماس لا يتم دون استيعاب البنية الاستراتيجية للتفكير داخل أروقة صنع القرار في الحركة، التي تختلف جذريًا عن منطق الأطراف الأخرى في المعادلة؛ حيث تمتاز الحركة بعمق أيديولوجي وتاريخٍ راسخ، وليست حزبًا سياسيًا يساوم على مكاسب آنية. فثمة خطوط حمراء في الأبجديات الخاصة بالحركة لا يمكن تجاوزها بأي ثمن، ومنها: التخلي عن السلاح، والقبول بمشروع التهجير، والتنازل عن شرعية المقاومة المسلحة؛ حيث تعتبر الحركة ما سبق من الثوابت التي لا تقبل المواقف التفاوضية القابلة للمرونة، بل هي الوجود ذاته. وعليه، فإن تفسير سلوك الحركة على طاولة التفاوض باعتباره ترنحًا أو ضعفًا لاستغلال بعض الخلافات الداخلية في الحركة، وفق بعض المحللين، يعتبر ضعفًا في فهم البنية الداخلية للحركة.
كما أن ما تفعله حماس في المرحلة الراهنة من مراوغات على طاولة التفاوض لا يُعد مجازفةً، بل توظيفٌ براغماتيٌ محسوب لاستراتيجية الصبر الاستراتيجي؛ حيث تهدف من خلالها لكسب الوقت لإعادة تأهيل قدراتها وإعادة تموضع قواتها، مع الإبقاء على الحد الأدنى من الاشتباك العلني الذي يبقيها فاعلًا حيًّا في المعادلة، دون تعريضها لضربةٍ قاضية في المرحلة الراهنة. وبالعودة للذاكرة الاستراتيجية لحماس، فإنها تحتفظ بتجربة الانسحاب "الإسرائيلي" من غزة عام 2005 كدرسٍ راسخ، حيث تعتبر أن الضغط المتواصل والاستنزاف المنهجي لا بد أن يعيد رسم المعادلة حتى مع الخصم الأقوى عسكريًا.
لذا يمكن فهم الصمت العسكري الحالي في القطاع بإعادة تأهيل القوى حتى الوصول إلى نقطة الضربة المؤثرة على الخط الأصفر، ليتم الانتقال بعد ذلك إلى مرحلة المواجهة المفتوحة وفق استراتيجية استنزاف مدروسة. غير أن البيئة الراهنة أشد تعقيدًا من البيئة التي سبقت العام 2005، إذ يعتبر الاحتلال اليوم شبكة الأنفاق التابعة لحماس شبكةً عنكبوتية تتخذ من العمق أساسًا راسخًا لها في أعماق القطاع، ما يلزم حماس بكسب الوقت لإعادة تأهيل قدراتها.
ومع ذلك، يبقى الرهان "الإسرائيلي" الحقيقي على محورٍ يختلف عن الحسم العسكري المباشر؛ فبعد الضغط المستمر على مدار عامين ونصف تقريبًا، دون أن تبدي المقاومة بشكلٍ عام، وحماس بشكلٍ خاص، أيّ انكسار، لجأ الاحتلال لكسر الحاضنة الشعبية من خلال فصل المدني الغزي عن مشروع المقاومة، وتحميل حماس خصوصًا مسؤولية الكارثة الإنسانية. وقد وقع الاحتلال في الخطأ الجوهري من حيث التحليل للحاضنة الشعبية للمقاومة في قطاع غزة، حيث تمتاز الحاضنة الشعبية بجمعها لعوامل نادرة التوفر في تاريخ حركات المقاومة؛ أولها أن المقاومة ليست خيارًا سياسيًا، بل هويةً وجودية مدمجة في النسيج الاجتماعي، فلا يكاد يخلو بيت من مقاوم.
وذلك يعني أن الانفصال عن المقاومة هو انفصال عن الذات. كما أن الحصار المطبق على القطاع منذ العام 2007 أنتج جيلًا كاملًا وُلد وترعرع على حالة من الصمود الشعبي كحالة طبيعية لا استثنائية. وبالإضافة لما سبق، فإن البديل المطروح يتمثل في التهجير والاستسلام، الأمر الذي يرفضه الكل الفلسطيني بشكلٍ وجودي، ما يُعدم الفجوة التي يمكن للرهان "الإسرائيلي" أن ينفذ منها.
كما أن الخطر الكامن على الاستراتيجية "الإسرائيلية" هو ما لا تستطيع قصفه وتدميره بأي شكلٍ من الأشكال، حيث آلية إعادة إنتاج الهوية المقاومة، وذلك من خلال حلقات تحفيظ وتفسير القرآن الكريم المنعقدة في المساجد المهدمة خلال الحرب الأخيرة، ومحاولة إعادة تأهيل كل ما دمره الاحتلال بأبسط المقومات؛ حيث تعتبر المساجد المصنع الحقيقي للمقاومة الفلسطينية.
غير أن هذا النوع من التكوين ينتج هويةً أعمق وأصلب من أي تكوين سياسي آخر؛ فالإيمان بالفكرة من ناحيةٍ عقدية يجعل المقاتل في سبيلها قادرًا على تقديم الغالي والنفيس في سبيل إنجاح وتثبيت فكرته، حيث يعتبر ربط الإيمان بالتضحية بشكلٍ معاش ومجسد، لا مقروء في الكتب أو منطوق في المحاضرات فحسب، أمرًا بالغ التعقيد حال وجود إرادة تفكيكه. وقد أثبتت التجارب التاريخية مرارًا وتكرارًا أن تدمير البنية المادية لا يكسر الهوية، بل يعمقها، كما حدث حين هدم الاستعمار الفرنسي المساجد في الجزائر، فأنتج جيل الثورة.
لينتج لدينا السيناريو الأكثر ترجيحًا في المرحلة الراهنة، بما يمكن تسميته بـ(الجمود الاستراتيجي المفتوح)، حيث استمرار الحرب بحدةٍ منخفضة يعمل من خلالها الاحتلال على تنفيذ عمليات اغتيال بشكلٍ مستمر، مع غياب أي أفق سياسي حقيقي. غير أن ثلاثة متغيرات إقليمية قادرة على كسر هذا الجمود.
المتغير الأول: الملف الإيراني والضوء الأخضر الأمريكي:
يُعتبر هذا المتغير أحد أكثر المتغيرات خطورةً وغير محسوبة العواقب، حيث إعطاء إدارة ترامب الضوء الأخضر لقواتها بالاشتراك مع "إسرائيل" لاستكمال العملية العسكرية ضد إيران في حال فشل المفاوضات في سلطنة عمان وباكستان، بالإضافة إلى استمرار العمليات العسكرية بين الاحتلال وحزب الله اللبناني، ما يشكل إرباكًا للحسابات "الإسرائيلية"، حيث إن خوض الأخير لحرب متعددة الجبهات في آنٍ واحد يجبره على إعادة حساباته في الضغط العسكري. غير أن تحقق هذا السيناريو سيعيد توزيع الثقل العسكري "الإسرائيلي" على جبهاتٍ متعددة، ما يخفف الضغط على غزة ويمنح حماس نافذةً زمنية أوسع لإعادة تأهيل قدراتها، كما أن ذلك يصب في مصلحة حماس وفق منطق الصبر الاستراتيجي، الذي يراهن ضمنيًا على هذا التوسع الإقليمي كعامل تخفيف يصب في صالحها.
المتغير الثاني: فتيل الضفة الغربية:
يمثل الوضع في الضفة الغربية الفتيل الأكثر قابليةً للاشتعال في المرحلة القادمة، بعيدًا عن غزة؛ حيث تعيش الضفة حالة غليانٍ مستمر بفعل عمليات المستوطنين المتصاعدة، وحماية قوات الاحتلال لهم، والاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى، في ظل تراجع دور السلطة الفلسطينية، وبروز بنية مقاومة شبابية في العديد من محافظات شمال الضفة الغربية.
غير أن تهديد سلاح الطيران المسيّر بات يشكل هاجسًا للأمن "الإسرائيلي"، الذي سيطر على مئات الطائرات المسيّرة المتحولة من مهمات الاستطلاع إلى الانتحار، ما يهدد الأمن "الإسرائيلي" على المستوى الاستراتيجي، ويجعله عاملًا على استنزاف قواته الأمنية والعسكرية، التي ستعمل على تكثيف جهودها للحصول على معلومات تواجد هذه الطائرات، وذلك بعد عدم نجاعة السيطرة على تهريبها للحدود بطرقٍ عديدة، كتبرير استخدامها لأغراض التصوير الجوي وغير ذلك؛ ليكون اشتعال الضفة الغربية بمثابة جبهةٍ أخرى بالنسبة للاحتلال، بتضاريس مختلفةٍ تمامًا عن التضاريس التي قاتلت عليها قواته في قطاع غزة، ما يبدد التركيز "الإسرائيلي"، ويعيد رسم خارطة القوى في كامل المشهد الفلسطيني.
الخلاصة:
يظهر التحليل الاستراتيجي للمشهد الحالي قيام الاستراتيجية "الإسرائيلية" على افتراض خاطئ، يتلخص بأن الضغط العسكري والإنساني لن يفضي في نهاية المطاف إلى انهيار الإرادة أو تشقق البنية، لكن هذا الافتراض يغفل المتغير الأعمق في المعادلة، وهو امتلاك حماس وحاضنتها الشعبية لما لا يمتلكه أي جيش كلاسيكي، وهو القدرة على إنتاج الصمود من داخل الكارثة المعاشة؛ حيث إن المعادلة الكاملة التي تتشكل في الوقت الحالي تجمع بين الصبر الاستراتيجي الحمساوي المحسوب، والحاضنة الشعبية ذات الهوية الوجودية التي لا تنكسر بالقصف والتهديد، وآلية إعادة إنتاج هوية تعمل فوق الركام، وتوقعًا بتورط "إسرائيلي" في حربٍ إقليمية متعددة الجبهات، وفتيلًا ضفاويًا قابلًا للاشتعال في أي لحظة، حيث تجعل هذه المعادلة الحسم العسكري سرابًا يتراجع كلما تقدم نحوه.
وفي المحصلة، يبقى السؤال الجوهري يطرح نفسه دون أن تجيب عليه آلة الحرب: كيف تنتصر على خصمٍ يرى في الموت مقدمةً للانتصار الذي لا نهاية له؟ إذ يعد هذا السؤال المربك الأول للاستراتيجية "الإسرائيلية"، ويجعل المشهد في غزة أعقد مما تستطيع أي معادلة عسكرية استيعابه.

