ليست أزمة دولة الاحتلال الإسرائيلي أزمة حدود أو أمن بالمعنى التقليدي، بل هي أزمة كينونة وجودية تتخذ من الهوية مدارًا لها؛ فالدولة التي قامت على أساس صهيوني بوصفها دولة للشعب اليهودي تجد نفسها اليوم أمام تناقض بنيوي حاد بين خصوصيتها اليهودية المزعومة وبين متطلبات الدولة الحديثة ومقتضيات الاندماج في محيط جيوسياسي عربي وإسلامي.
على المستوى السياسي الداخلي، تعيش "إسرائيل" حالة من الاستقطاب الحاد الذي يهدد تماسكها؛ فمحاولات حكومة بنيامين نتنياهو تمرير تشريعات لإضعاف المحكمة العليا وتعديل طريقة اختيار القضاة لمنح السلطة السياسية نفوذًا أكبر على الجهاز القضائي أثارت موجة احتجاجات غير مسبوقة، ووصفها معارضوها بأنها تهديد للديمقراطية الليبرالية، بينما تعتبرها الحكومة خطوة ديمقراطية ضرورية لإعادة التوازن بين السلطات. وهنا تتجلى أزمة الهوية في أبشع صورها، إذ تتصارع داخل دولة الاحتلال رؤيتان متناقضتان: الأولى علمانية ليبرالية ترى في إسرائيل دولة لكل مواطنيها، والثانية قومية دينية ترى فيها دولة لليهود فقط.
وتمتد الأزمة لتشمل البعد القانوني الدستوري، حيث تسعى الحكومة إلى تكريس هوية الدولة قانونيًا عبر ما يسمى بقانون القومية، الذي يعرف إسرائيل بصفتها الدولة القومية للشعب اليهودي، ويجعل الشريعة اليهودية أساسًا للتشريع، ويلغي مكانة اللغة العربية كلغة رسمية. ويكشف هذا المسعى عن إشكالية مركزية في الصهيونية ذاتها، وهي استحالة التوفيق بين مفهوم الدولة اليهودية ومتطلبات دولة المؤسسات الحديثة. كما أن المحاولات المستمرة لإضعاف الجهاز القضائي وإخضاعه للسلطة التنفيذية تذكرنا بما أسماه الدكتور عبد الوهاب المسيري بالعلمنة الشاملة للمقدس، وتحويل القانون من أداة لتحقيق العدالة إلى أداة للهيمنة السياسية.
دبلوماسيًا، تقف "إسرائيل" أمام مفارقة لافتة؛ فبينما تسعى حثيثًا لتوسيع دائرة التطبيع عبر اتفاقيات أبراهام لتشمل السعودية ولبنان ودولًا أخرى، تدرك في العمق أن الاعتراف العربي والدولي لا يمنحها الشرعية الوجودية التي تفتقدها؛ فالتطبيع ليس سوى غطاء هش يخفي حقيقة أن إسرائيل لا تزال كيانًا استيطانيًا وظيفته الأساسية خدمة المشروع الإمبريالي الغربي في المنطقة. والحديث عن قفزة كمومية بضم السعودية للمنظومة التطبيعية إنما يعكس وهمًا استراتيجيًا مفاده أن الشرعية تُشترى بالاتفاقات السياسية لا بالاندماج العضوي في المحيط الحضاري.
عسكريًا، تكشف حرب غزة المستمرة عن استنزاف عميق للجيش الإسرائيلي وتراجع قدراته الردعية؛ فصحيح أن الآلة العسكرية تسيطر الآن على نحو 60% من القطاع وتواصل عملياتها اليومية، لكنها عاجزة عن حسم المعركة مع المقاومة التي لا تزال تحكم القطاع رغم تدمير 90% من بنيته التحتية. والأخطر أن الجيش يعاني إرهاقًا غير مسبوق، إذ يخدم جنود الاحتياط بمعدل ثمانين يومًا سنويًا، ما ينذر بانهيار معنوي ومادي للمؤسسة العسكرية التي طالما شكلت ركيزة أساسية في بناء الهوية الإسرائيلية، في ظل استمرار الحرب والعدوان على لبنان، والاستعداد والجاهزية تجاه إيران في ظل المفاوضات المستمرة بين إيران والولايات المتحدة.
أما على الصعيد الجيوسياسي، فإن "إسرائيل" تواجه معضلة استراتيجية خانقة؛ فحالة الاستنفار الحربي الدائم التي كرستها حكومة نتنياهو منذ السابع من أكتوبر 2023 تستنزف الاقتصاد والمجتمع، وتدفع آلاف الإسرائيليين من حملة الشهادات العليا والعاملين في قطاعي العلوم والتكنولوجيا إلى الهجرة العكسية؛ فقد غادر البلاد نحو أربعين ألفًا وستمئة إسرائيلي في الأشهر السبعة الأولى من عام 2024 وحدها، بزيادة تقارب ستين بالمئة، ما يهدد بتفريغ الدولة من نخبها العلمية، ويؤكد أن إسرائيل ليست ملاذًا قوميًا لليهود، بل محطة عبور مؤقتة للباحثين عن فرصة اقتصادية.
وتكمن جذور الأزمة فلسفيًا في الطبيعة التركيبية المتناقضة للمشروع الصهيوني؛ فقد راهن هذا المشروع منذ بداياته على تصفية يهودية المنفى وخلق يهودي جديد مرتكز إلى الأرض والقوة، لكنه لم يستطع حسم العلاقة بين البعد الديني والبعد القومي في هوية الدولة؛ فبقيت إسرائيل حالة هجينة تجمع بين ملامح الدولة القومية الدينية والدولة الديمقراطية الليبرالية، دون أن تنتمي بالكامل لأي منهما. وهذا التردد الوجودي يعكس مأزق الصهيونية التي أرادت الهروب من يهودية الجيتو الدينية المنعزلة، لتغرق في يهودية عنصرية إحلالية لا تقل عزلةً واستعصاءً على الاندماج في نسيج المنطقة.
إن أزمة الهوية الإسرائيلية ليست مرحلة عابرة في تاريخ الكيان، بل هي قدر بنيوي محتوم؛ فالصهيونية، بوصفها حركة استعمارية استيطانية، لا يمكنها أن تنتج هوية مستقرة، لأنها قامت على نفي الآخر الفلسطيني ومصادرة حقه في الوجود. وهذه الجريمة المؤسسة تطارد الضمير الإسرائيلي، وتجعل البحث عن الهوية رحلة عبثية محكومًا عليها بالفشل. وما نشهده اليوم من تفكك داخلي وتآكل للتماسك الاجتماعي ليس سوى تجلٍّ ملموس لحقيقة مركزية، وهي أن الكيان الصهيوني يحمل في أحشائه بذور فنائه، لأنه اغتصب الأرض، ونفى الإنسان، وزيف التاريخ.

