قائمة الموقع

تجميد الحسابات البنكية بغزة.. تداعيات اقتصادية ومعيشية متصاعدة

2026-05-11T13:42:00+03:00
وقفة أمام بنك فلسطين بغزة احتجاجا على تجميد الحسابات البنكية (أرشيف)
فلسطين أون لاين

أثارت سياسة تجميد الحسابات البنكية في قطاع غزة موجة واسعة من الجدل والرفض الشعبي، مع اعتماد المواطنين المتزايد على التطبيقات البنكية والخدمات الإلكترونية بديلا شبه وحيد للنقد الورقي وسط أزمة السيولة الحادة.

وبينما تبرر البنوك هذه الإجراءات باعتبارات الرقابة المالية ومكافحة الاستغلال غير القانوني وبيع السيولة، يرى مختصون اقتصاديون أن التوسع في التجميد دون وضوح أو آليات اعتراض فعالة يفاقم الأعباء المعيشية ويهدد الثقة بالنظام المصرفي.

قيود مصرفية

ويؤكد أستاذ علوم الاقتصاد في جامعة الأزهر بغزة د. سمير أبو مدللة، إن سياسات تجميد الحسابات "شديدة الحساسية" في الوقت الراهن، لأن القطاع يمر بحالة انهيار اقتصادي ونقدي غير مسبوقة، فيما أصبحت الحسابات البنكية والتطبيقات الإلكترونية البديل شبه الوحيد للتعاملات المالية اليومية، سواء في شراء الغذاء والدواء أو تلقي الرواتب والتحويلات.

ويوضح أبو مدللة لصحيفة "فلسطين"، أن البنوك بررت بعض الإجراءات بأنها تستهدف حسابات استُخدمت في عمليات بيع السيولة وفرض عمولات غير قانونية أو شبهات مرتبطة بغسل الأموال، إلا أن المشكلة الأساسية – وفق شكاوى المواطنين – تكمن في أن هذه الإجراءات تُنفذ أحيانًا بصورة واسعة ودون توضيحات كافية أو آليات اعتراض سريعة، ما يترك المواطن في حالة قلق دائم من فقدان الوصول إلى أمواله بشكل مفاجئ.

وبين أن أي سياسة مالية في ظروف الحرب والحصار يجب أن تراعي "الاستقرار المجتمعي" إلى جانب الامتثال المصرفي، لأن البعد الإنساني لا يقل أهمية عن البعد الرقابي في بيئة تعيش واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية والاقتصادية.

وحذر أبو مدللة من انعكاسات خطيرة لهذه السياسات على الاقتصاد المحلي، موضحًا أن تجميد الحساب لا يعني فقط تعطيل رصيد مالي، بل شل دورة حياة كاملة تشمل الرواتب والتجارة والتحويلات والعلاج والتعليم والاحتياجات اليومية.

وبيّن أن استمرار القيود المصرفية يدفع المواطنين نحو السوق السوداء للحصول على النقد، ما يؤدي إلى ارتفاع العمولات وتوسع مظاهر الاستغلال المالي، إلى جانب تراجع الثقة بالقطاع المصرفي.

وأكد أن تداعيات هذه الإجراءات لا تقف عند الجانب الاقتصادي فقط، بل تمتد إلى أبعاد اجتماعية وإنسانية، في ظل معاناة السكان أصلًا من الفقر والنزوح وانعدام الأمن الغذائي، ما يجعل أي تجميد للحسابات يتحول إلى أزمة معيشية مباشرة للأسر.

ودعا أبو مدللة إدارة البنوك إلى تحقيق توازن بين الرقابة المالية والمسؤولية الوطنية والاجتماعية، عبر التمييز بين الحالات الفردية والحالات المنظمة، وعدم تعميم العقوبات دون تحقق دقيق، إلى جانب توضيح أسباب التجميد للمواطنين بشكل رسمي وواضح.

كما شدد على ضرورة إنشاء مسار اعتراض سريع وفعال يتيح للمواطنين مراجعة أوضاعهم خلال أيام بدلًا من الانتظار لفترات طويلة، إضافة إلى اعتماد "التقييد الجزئي" بدل التجميد الكامل، بما يسمح باستخدام جزء من الأموال للحاجات الأساسية حتى انتهاء التحقيقات.

وأكد أن سلطة النقد تتحمل مسؤولية أساسية باعتبارها الجهة الرقابية والمنظمة للقطاع المصرفي الفلسطيني، وهي من مهامها إعادة تفعيل الحسابات المجمدة وتسهيل وصول المواطنين للخدمات المالية.

إعادة هندسة النظام المالي

من جانبه، يرى الباحث في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر أن ما يجري لا يمكن اعتباره مجرد "إجراءات مصرفية تقنية"، بل يعكس عملية إعادة هندسة كاملة للنظام المالي في غزة، لكن بطريقة يتحمل المواطن كلفتها الأكبر.

وأوضح أبو قمر لـ "فلسطين"، أن البنوك، ومنها بنك فلسطين، لا تعمل بمعزل عن منظومة رقابية ومالية مرتبطة بـسلطة النقد الفلسطينية وشبكات رقابة دولية معنية بتتبع حركة الأموال ومصادرها، ما يجعل البنوك ملزمة بتنفيذ سياسات امتثال صارمة حتى وإن كانت نتائجها صعبة على المستوى المعيشي.

وأضاف أن المشكلة الحقيقية ليست في التجميد بحد ذاته، وإنما في توقيته داخل اقتصاد منهك يعاني من انهيار حاد في السيولة النقدية، حيث أصبح السكان يعتمدون بشكل شبه كامل على حساباتهم البنكية والتطبيقات الإلكترونية لإدارة حياتهم اليومية.

وأشار إلى أن تعطيل الحسابات في هذه الظروف لا يعني إيقاف خدمة مصرفية فقط، بل تعطيل جزء من الدورة الاقتصادية اليومية المرتبطة بالاستهلاك والتجارة والتحويلات والرواتب.

ولفت أبو قمر إلى أن غزة تشهد انتقالًا متسارعًا نحو "اقتصاد رقمي مراقب" يقوم على تقليل الاعتماد على النقد ودفع المعاملات نحو القنوات الإلكترونية، معتبرًا أن هذا التحول قد يبدو منطقيًا نظريًا من حيث رفع كفاءة النظام المالي وتقليل الاقتصاد غير الرسمي، لكنه في بيئة تعاني الحرب والنزوح يحدث بسرعة تفوق قدرة المجتمع على التكيف.

وأكد أن غياب الشفافية في تفسير قرارات التجميد وتفاوت تطبيقها بين المواطنين يضرب الثقة بالنظام المصرفي، الأمر الذي يؤدي إلى اتساع الاقتصاد غير الرسمي كبديل، وهو ما يتناقض مع أهداف التنظيم المالي المعلنة.

وشدد أبو قمر على أن أخطر ما يواجه أي اقتصاد في ظروف الحرب هو فقدان الثقة بين المواطن والمنظومة المصرفية، محذرًا من أن أي عملية إعادة هيكلة مالية لا تراعي الواقع الإنساني والمعيشي قد تتحول إلى عبء إضافي على السكان بدل أن تكون أداة لتنظيم الاقتصاد.

وفي ظل تصاعد الأزمة، تتجه الأنظار نحو سلطة النقد الفلسطينية باعتبارها الجهة الرقابية المسؤولة عن تنظيم القطاع المصرفي، وسط مطالبات بتدخل عاجل لضمان عدم وجود توسع مفرط أو تعسف في تجميد الحسابات، ووضع تعليمات واضحة وموحدة للبنوك بشأن آليات التجميد والاعتراض، بما يضمن حماية حق المواطنين في الوصول إلى أموالهم ضمن ضوابط قانونية وإنسانية تراعي خصوصية الواقع في قطاع غزة.

اخبار ذات صلة