كان الدمار كبيرًا، بيوت متداخلة بفعل القصف المدمر، أعمدة وأسقف مالت على أخرى، وركام غطى أزقة ضيقة في مربع سكني بمخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، وملابس ومقتنيات وأثاث منزلي دفن تحت الحجارة، حتى المنازل المتضررة أصبحت واجهتها مكشوفة، بعدما اقتلع القصف الحجارة والأبواب والنوافذ.
منذ ساعات صباح أمس، عاد السكان إلى مربعهم السكني المدمر، يحاولون بأيديهم إزالة الحجارة والبحث عن ملابس وأي شيء يمكنهم العثور عليه من بقايا منازلهم وذكرياتهم، بعدما خرجوا بأرواحهم مساء الجمعة لم يستطع بعضهم حتى حمل هوياتهم وهواتفهم التي ضاعت أيضًا تحت الركام.
عصر أمس، كان المشهد مؤلمًا، تسمع أصوات المعاول وكنس الحجارة والزجاج في أثناء عمليات تنظيف للبيوت المتضررة، رائحة الغبار ما زالت تنبعث من تحت الحجارة، ومشهد تدمير المربع السكني يقتل معالم الحياة التي كانت.
خيار البقاء
يجلس البعض في حسرتهم يراقبون منازلهم المدمرة؛ وأخرون يحاولون التشبث بمنازلهم المتضررة بإزالة الركام وكنس الغبار واستصلاح أجزاء متبقية يمكنهم العيش فيها، ولا خيار لهم سوى البقاء في ظل انعدام الخيارات البديلة الأخرى، بينما كان أصحاب المنازل المدمرة ينظرون بملامح ذهول من هول الصدمة وحيرة من خطوة النزوح الجديدة التي يذهبون إليها حفاة بلا شيءٍ، وببعض الملابس الممزقة والأدوات التي انتشلوها من تحت الركام.
الساعة التاسعة والنصف من مساء أول من أمس، تلقى أحد الجيران اتصالا من أحد ضباط مخابرات الاحتلال يأمره بالإخلاء الفوري لمنزله وللمربع السكني المحيط به، وتسكنه عائلات الفار وأبو عبيد والأضم ومقداد، ليتحول المربع الهادئ والذي كان بعض الأطفال وكبار السن يغطون في نومهم، إلى حالة من الفوضى والذعر والخوف، وسط صراخ ونزول على درجات المنازل وبين الأزقة، تاركين خلفهم منازلهم وكل شيءٍ ناجين بأرواحهم.
لم يمر ربع ساعة على خروج الجميع، وفق شهادات جمعتها صحيفة "فلسطين" حتى سقط الصاروخ الأول الذي لم ينفجر ثم أسقط الاحتلال صاروخا ثانيا لينفجر الصاروخان محدثان دمارا هائلا طال ثلاثة منازل بشكل كلي ونحو أربعة منازل بشكل جزئي بليغ، يعيشون نزوحا جديدا مريرا.
كانت صباح الفار تقف داخل غرفة بالأمس كانت تنام فيها، واليوم لا تستطيع حتى الوقوف داخلها بعدما تجمعت حجارة الجيران بداخلها، تعيش في صدمة وذهول قائلة لصحيفة "فلسطين": "أعيش في الطابق الأرضي مع ثلاث بنات وطفل. كنا نجلس بهدوء حتى تلقينا الاتصال، فخرجنا بملابسنا وبمجرد وصولنا لنهاية الشارع حتى سمعنا صوت الانفجار".
كانت الفار بمساعدة بناتها وبعض أبناء أسلافها تحاول كنس الغبار والحجارة أثناء الحديث، يملأ الغبار عباءتها وملامح وجهها، يمتزج صوتها بالقهر: "زوجي مفقود منذ 23 ديسمبر/ كانون أول 2023 عندما كنا نازحين بمحافظة رفح وإلى اليوم لم نعثر عليه، وخرجنا بلا شيء، وها نحن نعيش وجع جديد".
تتحدث بصوت متعب وهي تطل من جدار غرفتها المفتوح على ركام أوسع يطال بيتين مدمرين أمامها وبيوت متضررة أخرى، واصفة تلك الليلة بأنها "أصعب ليلة تمر في حياتي كلها"، عائدة بنظرها لما تبقى من منزلها بعدما استدارت نحو الداخل: "لم يتبق لي سوى مطبخ وغرفة. الملابس والفراش دفن تحت الردم".
تسكن الفار في الطابق الأراضي ببيت مكون من ثلاثة طوابق، تعرض لأضرار بليغة بحيث تكسرت نحو خمسة أعمدة من المنزل أدى لهبوط الأجزاء الأمامية من الطابق الثاني نحو الأسفل ما يجعلها تعيش في خطرٍ كبير، لكنها لا تنوي الخروج من المنزل وتحاول إغلاق الجدران المفتوحة بالشادر.
تستعيد تفاصيل اللحظات الأولى للقصف وهي تحاول إخراج بعض الأشياء، ومسح قطرات العرق: "قالوا لنا بيتي بقي قائما، ففرحت لكن عندما عدت ووجدت كل هذه الأضرار والردم والجدران المتصدعة، والأسقف الهابطة من الأعلى والعمدان المكسورة أصبت بصدمة".
المأوى الأخير
على ناحية أخرى كان شادي أبو عبيد يحاول إزالة الركام متعبًا من أثر العمل ومحاولة البحث عن ملابس لأطفاله، تمتلئ ملامحه وملابسه بالغبار، كان ينحني لرفع قطعة من تحت الركام، يحفر عليها بيديه وكأنه ينقذ شيئا من الذاكرة من الموت، تخرج تلك الأشياء مليئة بالردم أو ممزقة.
يحكي لـ"فلسطين" وهو يجلس على أحد الحجارة في استراحة قصيرة يحاول استيعاب الصدمة من جديد: "عندما جاء أمر الإخلاء خرجنا بشكل فوري، والآن عدنا نبحث عن أي شيء. نزحت من بيتنا الأول بشارع النفق ومكون من ستة طوابق كنت أسكن فيه مع أخوتي الستة، وجئنا لبيت جدي بمخيم الشاطئ بمساحة 40 مترا مربعا سكنا فيه أنا وعائلتي المكون من سبعة أفراد، وشقيقي وعائلته المكونة من ستة أفراد وأمي وكل واحد فينا سكن في غرفة".
ظلت حجارة البيوت القديمة وبيتهم المسقوف بالإسبست صامدة طوال 75 عاما من عمر اللجوء، وبالرغم من حالة التآكل الكبير كان المأوى الأخير لشادي وشقيقه وأمه، لتبدأ بعد تدميره بالكامل رحلة نزوح جديدة، اختفت معالم البيت بين أكوام الركام المتداخلة لبيوت الجيران، يقول وفي عينيه نظرات عجز: "عاجز عن التفكير في الخيارات القادمة، لا أعرف أين سأذهب؟. اعتقدت أنني أعيش بشكل مؤقت هنا وسأعود لمنزلي بعد الإعمار لكني اليوم أنزح مجددا".
على أطراف المربع السكني المدمر، كان محمد غسان مقداد يقف بجانب خيمة استطاع انتشالها وستصبح مأواه بعد تدمير بيته بصورة شبه كاملة، وخزانات مياه تمزقت بفعل القصف سيحاولون إصلاحها، وبعض الملابس لبناته الصغيرات اللاتي خرجن بالملابس التي كن يرتدينها.
تعرض منزل عائلة مقداد المكون من طابقين لأضرار بليغة أصبح في إثرها آيلا للسقوط، بعد تفريغ معظم جدرانه وحدوث ميلان كبير في أسقفه، وتكسير في معظم عمدانه ما يجعل الحركة بقربه خطرة.
"كنت نائما لحظة سماع خبر الإخلاء. فأيقظت بناتي وبدأنا بالخروج"، وفي أثناء محاولته الخروج وتحت ضغط الفوضى، نسي مقداد حتى اصطحاب أوراقه الثبوتية، ولا هاتفه، ويروي لصحيفة "فلسطين" وهو يقف بجانب إحدى العربات التي سينقل عليها الأغراض التي أخرجها تكشف عيناه إرهاق العمل منذ السادسة صباحا: "البيت هو مأوانا الأخير وأمر صعب فقدانه. تعطلت منذ بداية الحرب وكنت أجلب لهم الطعام من التكيات الخيرية، واليوم سأكون أمام مسؤولية جديدة بالبحث عن مكان لنصب الخيمة"