فلسطين أون لاين

الحرية الموهومة وفقدان الإنسان

لم تكن المشكلة يومًا في أن الناس كانوا بلا حرية ثم حصلوا عليها، كما تُروى الحكاية في صورتها السطحية. القصة أعمق من ذلك بكثير. ما حدث في الحقيقة هو أن الإنسان انتقل من قيدٍ واضح إلى فراغٍ غير مرئي، من نظام يحدد له موقعه، وإن كان قاسيًا، إلى فضاء مفتوح لا يعرف فيه أين يقف ولا لماذا يعيش. وفي هذا الانتقال، لم يخسر الإنسان حريته ولا نظامه فقط، بل خسر شيئًا أدق: خسر القدرة على أن يحب كما كان يحب، ثم خسر القدرة على أن يشعر كما كان يشعر، حتى بدأ يفقد إنسانيته نفسها دون أن ينتبه.

في العهود المقيدة، سواء سُمّيت ملكية أو سلطوية أو تقليدية، لم يكن الإنسان حرًا بالمعنى الحديث، لكنه لم يكن تائهًا. كان يعيش داخل إطار صلب، يعرف فيه حدوده، ويعرف ما هو متوقع منه وما هو المرفوض. هذا الإطار، رغم قسوته أحيانًا، كان يمنح النفس نوعًا من الطمأنينة الخفية. فالإنسان بطبيعته لا يخاف القيد بقدر ما يخاف الغموض. حين تكون الحياة محددة، حتى لو كانت ضيقة، فإن القلق يقل؛ لأن الأسئلة الكبرى لا تُطرح أصلًا. في هذا المناخ، تنشأ علاقات تبدو دافئة: عائلات مترابطة، مجتمعات متماسكة، تضامن ظاهر بين الناس. لكن هذه المحبة لم تكن دائمًا نقية كما نتصور اليوم؛ فكثير منها كان محكومًا بالعُرف، ومدفوعًا بالخوف، أو ناتجًا عن حاجة البقاء داخل الجماعة. ومع ذلك، كان لها أثر حقيقي؛ إذ كانت تحفظ شكلًا من أشكال الإنسانية.

ثم جاء ما سُمّي “التحرر”. لكن هذا التحرر لم يكن تحررًا داخليًا بقدر ما كان إزالةً للقيود الخارجية. لم يُعلَّم الإنسان كيف يكون حرًا، بل قيل له: أنت حر. لم يُبنَ داخله معيار، بل أُزيلت عنه المعايير. وهنا بدأ الخلل العميق؛ لأن الحرية ليست حالة تُمنح، بل قدرة تُبنى. وعندما تُمنح الحرية لإنسان لم يُدرَّب على حملها، فإنها لا ترفعه، بل تُربكه.

دخل الإنسان الحديث في حالة نفسية معقدة: كثرة خيارات بلا بوصلة. كل شيء ممكن، لكن لا شيء واضح. الخير والشر لم يعودا ثابتين، بل أصبحا نسبيين، خاضعين للذوق الشخصي. ومع غياب المرجع، بدأ الإنسان يعود إلى أقرب شيء يملكه: نفسه. وهنا تحوّل مركز الحياة من “نحن” إلى “أنا”. لم يعد السؤال: ماذا ينبغي أن أكون؟ بل: ماذا أريد الآن؟

وهذه النقلة البسيطة في ظاهرها كانت بداية الانهيار العاطفي العميق. في هذا المناخ، كانت المحبة أول ما يتصدع؛ لأن المحبة الحقيقية ليست شعورًا عابرًا، بل التزام ثقيل: أن تصبر على الآخر، أن تتحمل نقصه، أن تبقى حين يكون الرحيل أسهل. لكن في عالم يُقدّس الحرية بمعناها السطحي، يصبح أي التزام عبئًا، وأي صبر ضعفًا، وأي تضحية تنازلًا غير مبرر. وهكذا تحولت العلاقات من روابط تُبنى إلى تجارب تُستهلك. إذا أتعبتني العلاقة، أتركها. وإذا لم تُشبعني، أستبدلها. ومع الوقت، لم تعد العلاقات تُغذي الإنسان، بل تستنزفه.

وحين تختفي المحبة، لا يختفي معها الدفء فقط، بل يتآكل شيء أعمق: القدرة على التعاطف. لأن التعاطف يحتاج إلى قلب معتاد على البقاء، وعلى الالتصاق، وعلى الإحساس بالآخر. أما حين تصبح العلاقات مؤقتة وسطحية، فإن الآخر يتحول تدريجيًا إلى وسيلة: وسيلة للمتعة، أو للدعم، أو للاستخدام. وإذا لم يعد نافعًا، يُترك دون ألم حقيقي.

هنا تبدأ القسوة بالتشكل، لا كقرار، بل كأثر جانبي لنمط حياة. ومع مرور الوقت، يحدث تحول أخطر: يتبلد الإحساس. لم يعد الإنسان يتأثر كما كان؛ يرى الألم ولا يهتز، ويسمع المعاناة ولا يتوقف. ليس لأنه شرير، بل لأنه مُرهق من الداخل، مُفرغ من العمق العاطفي. وهنا نصل إلى المرحلة التي وصفتها بدقة: فقدان الإنسانية. ليس بمعنى أن الناس أصبحوا وحوشًا، بل بمعنى أنهم فقدوا الحساسية التي تجعلهم بشرًا بحق.

في هذا السياق، يطرح السؤال نفسه: هل كان الماضي أفضل؟ والجواب، إذا أردنا الصدق، ليس نعم ولا لا. الماضي لم يكن مثاليًا، لكنه كان مختلفًا في نوع الخلل. كان يقيد الإنسان، لكنه يحفظ له شكلًا من أشكال الترابط. أما الحاضر، فقد أطلق الإنسان، لكنه فكك هذا الترابط. كأننا انتقلنا من سجنٍ دافئ إلى صحراء مفتوحة: في السجن كنا مقيدين، لكننا معًا، وفي الصحراء نحن أحرار، لكننا وحدنا.

الخطأ الأكبر هو أن نختزل المشكلة في النظام السياسي؛ لأن ما فُقد ليس الملكية ولا الحرية بحد ذاتهما، بل شيء أعمق: فُقدت التربية على المعنى. الإنسان لم يعد يعرف لماذا يعيش، ولا لماذا يجب أن يلتزم، ولا لماذا ينبغي أن يحب رغم التعب. وحين يغيب المعنى، تتحول الحرية إلى عبء، لا إلى نعمة. يصبح الإنسان قادرًا على كل شيء، لكنه غير قادر على أن يستقر على شيء.

إن الأزمة التي نعيشها اليوم ليست أزمة أنظمة، بل أزمة نفس. أزمة إنسان لم يعد يحتمل القيد، ولم يتعلم كيف يحتمل الحرية. إنسان يريد أن يكون حرًا، لكنه يخاف من كل ما يجعل الحرية ممكنة: الالتزام، المسؤولية، الثبات. ولهذا يهرب من العلاقات، ثم يشتكي من الوحدة. يرفض القيود، ثم يغرق في الفراغ.

وفي نهاية هذا المسار، لا يعود السؤال: أيهما أفضل، الماضي أم الحاضر؟ بل يصبح السؤال الحقيقي: كيف يمكن للإنسان أن يستعيد توازنه؟ كيف يمكن أن يجمع بين حرية لا تُشتته، ومعنى لا يخنقه؟ لأن الحل ليس في العودة إلى القيد، ولا في الغرق في الحرية، بل في بناء إنسان قادر على أن يحمل الاثنين معًا: أن يكون حرًا من الخارج، منضبطًا من الداخل، قادرًا على أن يحب، لا لأنه مضطر، بل لأنه اختار أن يبقى.

المصدر / فلسطين أون لاين