تتصاعد وتيرة الاستهدافات وعمليات الاغتيال الإسرائيلية في قطاع غزة في المدة الأخيرة تصاعدا لافتا، تزامناً مع مواصلة الجهود الدولية والإقليمية للدفع نحو تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار في القطاع، في مشهد يعكس هشاشة التهدئة وتعقيد المسار التفاوضي.
وبينما تزعم (إسرائيل) أنها تواصل عملياتها تحت مسوغات أمنية تتعلق بـ"منع إعادة بناء قدرات الفصائل"، يرى مراقبون ومحللون أن هذه السياسة تمثل محاولة لإدارة القطاع أمنيًا وسياسيًا عبر الجمع بين الضغط العسكري واستمرار المفاوضات، بما يكرّس حالة من الاستنزاف وعدم الاستقرار.
وشهدت الفترة الراهنة وتيرة متسارعة من الاستهدافات الإسرائيلية لمقرات شرطية ومجموعات مواطنين وآخرين ممن يدّعي الاحتلال أنهم ينتمون إلى فصائل فلسطينية، وكان آخرها أول من أمس، اغتيال عزام الحية نجل رئيس حركة حماس في غزة، واستشهاد الشاب حمزة الشرباصي في العملية ذاتها.
استنزاف مستمر
يقول المختص في الشأن الإسرائيلي ياسر مناع، إن تصاعد الاستهدافات وعمليات الاغتيال في قطاع غزة يعكس سياسة إسرائيلية تهدف إلى تثبيت حرية عمل جيش الاحتلال داخل القطاع، وتحويل الاغتيالات إلى أداة دائمة لإدارة مرحلة وقف إطلاق النار.
وأوضح مناع لصحيفة "فلسطين"، أن (إسرائيل) لا تتعامل مع الهدنة باعتبارها قيدًا على عملياتها العسكرية، بل كإطار يسمح لها بمواصلة الضربات تحت ذرائع "إحباط التهديدات" و"منع إعادة بناء قدرات حماس".
وأضاف مناع أن الهدف المركزي لهذه السياسة يتمثل في إبقاء غزة في حالة استنزاف مستمر، ومنع تحول وقف إطلاق النار إلى حالة استقرار فعلي، مشيرًا إلى أن (إسرائيل) تسعى إلى فرض ضغوط متواصلة على حركة حماس والفصائل الفلسطينية لدفعها إلى التفاوض من موقع ضعف.
واعتبر أن سياسة الاغتيالات تُستخدم لإدامة حالة اللايقين داخل القطاع، والتحكم بإيقاع الميدان، ومنع أي محاولة لإعادة ترتيب البنية الأمنية أو السياسية الفلسطينية.
وبيّن أن هذه الاستهدافات تنعكس بصورة مباشرة على مسار المفاوضات، إذ تؤدي كل عملية اغتيال إلى إضعاف الثقة بالضمانات المطروحة، وإرباك دور الوسطاء، ورفع كلفة أي تنازل يمكن أن تقدمه حركة حماس.
وفي المقابل، تستخدم (إسرائيل) استمرار التوتر الأمني لتبرير إبقاء قواتها في مناطق داخل غزة، وتأجيل أي انسحاب محتمل، وربط التقدم في المراحل المقبلة بشروطها، خصوصًا فيما يتعلق بملف السلاح وإدارة القطاع.
ورأى مناع أن السيناريو الأقرب خلال المرحلة المقبلة يتمثل في استمرار هذا النمط القائم على تنفيذ ضربات محدودة واغتيالات منتقاة، مع إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة دون الوصول إلى تهدئة كاملة.
وأكد أن (إسرائيل) تسعى من خلال هذه المعادلة إلى إدارة غزة عبر الجمع بين التفاوض والضغط العسكري، بما يمنح جيشها حرية واسعة في تنفيذ الاغتيالات، مع الإبقاء على حالة أمنية وسياسية رمادية تخدم أهدافها في المرحلة المقبلة.
مساحة واسعة للعدوان
من جانبه، قال الكاتب والمحلل السياسي فتحي بوزية إن ما يجري في قطاع غزة "يندى له الجبين"، في ظل استمرار الاحتلال في عمليات القتل والتدمير والاغتيالات وفرض الحصار على سكان القطاع، وسط صمت دولي وعربي وصفه بـ"المخيب".
وأضاف بوزية لـ"فلسطين"، أن ما يحدث يجري على مرأى ومسمع العالم الذي يدّعي الدفاع عن الحرية وحقوق الإنسان، دون أن تُمارس ضغوط حقيقية على الإدارة الأمريكية أو الحكومة الإسرائيلية لوقف الانتهاكات المتواصلة.
وأشار بوزية إلى أن المشهد في غزة بات أكثر قتامة في ظل تراجع الاهتمام الإعلامي العربي والدولي بتغطية ما يجري داخل القطاع، وانشغال الإعلام العالمي بملفات إقليمية أخرى، مثل التطورات في الساحتين اللبنانية والإيرانية، الأمر الذي ساهم – بحسب وصفه – في منح (إسرائيل) مساحة أوسع لمواصلة عملياتها العسكرية دون محاسبة أو ضغط دولي فعلي.
وأضاف أن الأهداف الإسرائيلية المعلنة، وخاصة على لسان وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش، تتعلق بتوسيع النفوذ الإسرائيلي في قطاع غزة والضفة الغربية، إضافة إلى مناطق أخرى في الإقليم.
كما رأى أن رئيس وزراء حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يسعى من خلال استمرار التصعيد إلى تصدير أزماته الداخلية والقفز فوق تراجع شعبيته في استطلاعات الرأي داخل (إسرائيل).
واعتبر بوزية أن الهدف الأبرز للاحتلال يتمثل في محاولة اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه وفرض مشاريع التهجير، مؤكدًا أن ما يُطرح تحت عنوان "وقف إطلاق النار" أو "المفاوضات" لا يتجاوز، في كثير من الأحيان، إطار المناورة السياسية والاستهلاك الإعلامي، في ظل استمرار العمليات العسكرية والاستهدافات اليومية داخل القطاع.
وأكد أن الاحتلال الإسرائيلي هو الطرف الأساسي الذي يعطل أي اتفاق لوقف إطلاق النار، مشيرًا إلى أن استمرار الغارات والاغتيالات يقوض فرص الوصول إلى تهدئة حقيقية أو حل سياسي مستقر.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو فرص تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار مرتبطة بمدى قدرة الوسطاء الدوليين والإقليميين على إلزام الأطراف بتفاهمات واضحة، في وقت تشير فيه التطورات الميدانية إلى أن (إسرائيل) لا تزال تعتمد سياسة "الضغط بالنار" كجزء من استراتيجيتها التفاوضية، ما يجعل القطاع أمام مرحلة مفتوحة على مزيد من التوتر الأمني والتعقيد السياسي، وسط مخاوف من انهيار أي تفاهمات قائمة وعودة التصعيد العسكري بوتيرة أوسع