قائمة الموقع

عبر تجفيف السيولة.. الاحتلال يخرق "اتفاق باريس" ويُعمق انهيار غزة الاقتصادي

2026-05-06T13:11:00+03:00
غزة تواجه شللاً اقتصادياً بفعل نقص السيولة
فلسطين أون لاين

تواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي فرض قيود مشددة على تدفق العملات النقدية إلى داخل قطاع غزة منذ ما يزيد على عامين ونصف العام على التوالي، ما حوّل النقد الورقي من وسيلة تبادل يومية إلى سلعة نادرة تخضع لقوانين العرض والطلب، وأدخل الاقتصاد المحلي في حالة اختلال عميق انعكست تداعياته على جميع مناحي الحياة.

ويؤكد مراقبون اقتصاديون أن هذه القيود تمثل خرقًا صريحًا لبروتوكول باريس الاقتصادي لعام 1994، الذي ينص على حرية انتقال الأموال والعملات بين الأراضي الفلسطينية والاحتلال، ما يحرم الفلسطينيين من إدارة كتلتهم النقدية بشكل طبيعي، ويضع الاقتصاد في حالة تبعية قسرية للتحكم الخارجي في التدفقات المالية.

شلل شبه كامل

يقول الخبير الاقتصادي سمير أبو مدللة إن أزمة السيولة في غزة لم تعد مجرد اختلال نقدي، بل تحولت إلى انهيار فعلي في وظيفة المال، حيث فقد السوق قدرته على إنتاج الدخل وتدوير النقد، ما أدى إلى شلل شبه كامل بفعل التحكم في التدفقات المالية.

ويضيف أن الانهيار لا يقتصر على الجانب المالي فقط، بل يمتد ليؤثر على سلوك الأفراد وأنماط الاستهلاك والادخار.

ويوضح أبو مدللة لصحيفة "فلسطين" أن الكتلة النقدية المتداولة تتآكل تدريجيًا بفعل التلف والاستهلاك الطبيعي دون تعويض كافٍ، ما أفرز اقتصادًا مشوهًا يجمع بين ندرة النقد وضعف الطلب وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق، إضافة إلى تراجع الثقة في المعاملات النقدية اليومية.

وبحسب أبو مدللة، فقدت الأجور جزءًا كبيرًا من قيمتها الفعلية، إذ تراجعت القدرة الشرائية بأكثر من 50% مقارنة بما قبل عام 2023، بالتزامن مع ارتفاع أسعار السلع الأساسية بنحو 40% نتيجة تعقيدات الاستيراد والنقل.

وأشار إلى أن هذا التآكل في الدخل الحقيقي دفع العديد من الأسر إلى العجز عن تلبية احتياجاتها الأساسية، ما زاد من الاعتماد على المساعدات أو الاستدانة.

وحذّر من أخطر تجليات الأزمة، المتمثلة في نشوء سوق موازية لـ"تسييل الرصيد"، حيث تُحوّل الأرصدة البنكية إلى نقد مقابل عمولات مرتفعة قد تصل إلى 20%–30%، ما جعل النقد سلعة نادرة تُباع وتُشترى، وهو ما يستنزف مدخرات المواطنين ويقوّض الاستقرار المالي للأسر.

ويرى أبو مدللة أن السوق في غزة بدأ يعيد تشكيل أدواته قسرًا، متجهًا نحو الشراء الآجل والحلول الرقمية الاضطرارية، في تحول نحو اقتصاد غير متوازن يهدد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي على المدى البعيد، في ظل غياب حلول جذرية تعيد التوازن للنظام النقدي وتضمن تدفق السيولة بشكل طبيعي.

"تجفيف ممنهج"

من جانبه، يؤكد الخبير الاقتصادي خالد أبو عامر أن استمرار تقييد إدخال السيولة لهذه المدة الطويلة يتجاوز مفهوم الأزمة، ليشكل عملية "تجفيف ممنهج" للاقتصاد.

ويقول أبو عامر لـ"فلسطين" إن هذا الإجراء يهدف إلى إعادة صياغة العلاقات الاقتصادية والاجتماعية في القطاع، إذ يؤدي غياب النقد إلى تعطيل دورة رأس المال وظهور فئات وسيطة تستفيد من الأزمة عبر اقتطاع جزء من دخل المواطنين، فيما تتأثر الأنشطة التجارية التي باتت تعتمد على حلول بديلة أقل كفاءة وأكثر كلفة.

ويقترح أبو عامر عدة مسارات للتعامل مع الأزمة، أبرزها تدويل القضية عبر مطالبة البنك الدولي والجهات المانحة بالضغط من أجل الالتزام ببنود اتفاق باريس، إلى جانب اللجوء للمسارات القانونية عبر ملاحقة الجهات التي تعرقل إدخال العملات.

كما يدعو إلى التوسع في التحول الرقمي من خلال تعزيز استخدام المحافظ الإلكترونية وتوطين الرواتب رقميًا لتقليل الاعتماد على النقد الورقي، مع التأكيد على أن نجاح هذه الإجراءات يتطلب بيئة سياسية واقتصادية داعمة لضمان فاعليتها.

وبين القيود المفروضة وغياب الحلول الجذرية، يواصل الاقتصاد في غزة انحداره، وسط تحذيرات من أن استمرار الأزمة قد يقود إلى مزيد من التفكك في البنية الاقتصادية والاجتماعية للقطاع.

اخبار ذات صلة