في زحمة التفاصيل الدموية للحرب على غزة، وبينما تتجه عدسات العالم نحو عدّاد الشهداء اليومي وسقوف المفاوضات السياسية المعلقة، تنسحب بهدوء، ودون ضجيج إعلامي كافٍ، واحدة من أخطر الجرائم المركبة في هذه المعركة الطويلة. إنها ليست مجرد جريمة القصف والتدمير، بل جريمة ما بعد التدمير: جريمة احتكار وسرقة "الدمار" نفسه، وتحويله إلى سوق مالية رائجة تعزز خزينة المحتل على حساب دم الضحية وحجرها.
منذ الأسابيع الأولى لحرب الإبادة، ركزت مراكز الأبحاث ودراسات إعادة الإعمار على معضلة الركام. لم يكن الركام في تلك التقديرات مجرد أنقاض يجب إزاحتها، بل كان يُقرأ كأصلٍ استراتيجي ومصدر تمويل لوجستي ومعماري حاسم لمعركة إعادة البناء. وقدّرت الدراسات، قبل اجتياح رفح والعملية البرية الأخيرة في شمال القطاع، أن كميات الأنقاض يمكن أن توفر ملايين الأطنان من المواد الخام التي يعاد تدويرها لتشييد ما هدمته آلة الحرب الإسرائيلية. لكن مع دخول الجيش الإسرائيلي إلى رفح ومسحها من الخريطة، ومع سياسة التدمير الممنهج في جباليا وبيت لاهيا وبيت حانون، التي حولت الشمال إلى أرض محروقة غير قابلة للحياة، تضاعف حجم هذه "السلعة" الرمادية بشكل صادم وكارثي.
ما نشهده الآن يتجاوز منطق الحرب والدمار؛ إنها عملية هندسة مالية غليظة تقوم بها منظومة الاحتلال تحت غطاء أمني. تكشفت في الأسبوع الأخير تقارير استقصائية في الإعلام العبري، وعززتها بيانات صادرة عن شركات إسرائيلية تكشف عن تحقيق أرباح فلكية من عمليات إزالة الركام وبيعه. لم تعد إسرائيل تخفي اللعبة؛ إنها تقوم بعملية "خصخصة الدمار" عبر عقود ضخمة ومربحة مع مقاولين مدنيين تحولوا إلى طبقة طفيلية تنهش ما تبقى من جسد القطاع الميت.
في تحقيق مطول لصحيفة "ذي ماركر" الاقتصادية، وآخر لـ"هآرتس"، رُصدت الأرقام المفضوحة لهذه التجارة: المقاولون الإسرائيليون يتقاضون ما معدله خمسة آلاف شيكل عن كل منزل فلسطيني يسوونه بالأرض. أولئك ليسوا جنودًا يحاربون وفق شرف عسكري مزعوم، بل هم تجار دمار يضغطون ليل نهار على القادة الميدانيين لتوسيع رقعة الهدم المصرح بها لتعظيم هوامش أرباحهم. لقد تحولت الجرافات، بأدوات هندسية ثقيلة، إلى ماكينات صراف آلي؛ حيث يدر الحفار الواحد على مالكه ما يقرب من مائة وخمسين ألف شيكل شهريًا، تتكفل وزارة الجيش الإسرائيلية بنفقات وقوده.
أما مشغلو هذه المعدات، أولئك الذين يحولون ذكريات العائلات الآمنة إلى غبار، فيتقاضون رواتب خيالية تصل إلى ثلاثين ألف شيكل شهريًا، أي ما يعادل تسعة آلاف دولار، وهي أجور تفوق بأضعاف ما يتقاضاه العامل في الداخل الإسرائيلي، وكأنها "بدل خطر وقذارة أخلاقية" يدفعه جيش الاحتلال ليضمن صمت الضمائر المأجورة.
ولأن اقتصاديات الاحتلال لا تشبع، فإن المشهد لا يتوقف عند حدود جني أرباح الهدم، بل يتجاوزه إلى ما هو أعمق وأكثر خسة: سرقة الركام ذاته. تؤكد التقارير أن شاحنات إسرائيلية ضخمة تنقل يوميًا الحجارة والإسمنت وحديد التسليح من الأحياء المدمرة في رفح وشمال غزة وشرق خان يونس إلى داخل الأراضي المحتلة.
هناك، في معامل إعادة التدوير الإسرائيلية، تتحول بقايا البيوت الفلسطينية إلى مواد بناء أولية تُباع في السوق الإسرائيلي بأسعار مرتفعة لشركات البناء والتطوير العقاري. إنها دورة اقتصادية مكتملة الأركان، تقوم فيها آلة الحرب بهدم مستقبل الفلسطيني، ثم تسرق حطام هذا المستقبل لتبني به مستقبل المستوطن الإسرائيلي.
السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح أمام هذا العبث هو: أين اختفت الشركات العالمية التي أبدت اهتمامًا لافتًا في وقت سابق بشراء هذا الركام وإعادة تدويره كجزء من حلول إعادة الإعمار؟ لقد طُرحت هذه العروض في إطار حديث دولي جاد عن إشراك القطاع الخاص العالمي في تمويل الإعمار عبر الاستفادة من النفايات الصلبة.
غير أن الصمت المطبق الذي يلف هذه العروض الآن يطرح تفسيرات مقلقة تتعلق بضغوط جيوسياسية مارستها واشنطن لصالح حليفتها الإسرائيلية. ولا يمكن هنا عزل تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي نصح نتنياهو شخصيًا في إحدى المقابلات بضرورة استثمار الركام إسرائيليًا لأن "الإسرائيليين أولى بهذا الاستثمار". إنها عقيدة استعمارية مقيتة تتعامل مع ضحايا التطهير العرقي على أنهم مجرد مصدر للمواد الخام المهملة، ويجب احتكار هذا المورد لصالح اقتصاد الدولة المتفوقة عسكريًا.
في القانون الدولي الإنساني، وتحديدًا اتفاقية جنيف الرابعة، تُعدّ الممتلكات الخاصة في الأرض المحتلة مصونة، ولا يجوز مصادرتها أو تدميرها أو الاستيلاء عليها إلا لدواعٍ عسكرية قاهرة. الركام ليس شيئًا متروكًا بلا صاحب؛ الركام هو ملكية فلسطينية خاصة بالأساس، تتحول في حالة استخدامها العام إلى مورد وطني.
إن قيام قوة الاحتلال بنهب هذه المواد وإدخالها في دورتها الاقتصادية التجارية يمثل جريمة حرب مكتملة الأركان، ويندرج تحت بند "الاستغلال غير المشروع للموارد الطبيعية في الأراضي المحتلة". هنا يصبح الدمار شريكًا في جريمة المحو. إن إزالة الأنقاض ليست مجرد عمل تقني، بل هي جزء من عملية مسح لذاكرة المكان، ومنع الفلسطينيين حتى من حقهم البدائي في البكاء على أطلالهم وإعادة تدوير أحجارهم لبناء خيمة أو سقف.
المعادلة هنا شديدة القسوة، وتكاد تكون خيالية في بشاعتها. تُقدَّر تكلفة إعادة إعمار ما دمرته "إسرائيل" في غزة بأكثر من واحد وسبعين مليار دولار أمريكي، وهي عملية قد تستغرق عقدًا من الزمان. في المقابل، نجد أن حكومة الاحتلال ومقاوليها يحققون مكاسب مالية سريعة وفلكية من عملية إزالة هذا الدمار ذاته وبيع مكوناته. إن الاحتلال لا يكتفي بتدمير الحجر ومنع الإعمار عبر حصار دخول مواد البناء و"الإسمنت"، بل إنه يخلق اقتصادًا حربيًا موازيًا يجني من خلاله المليارات من جريمة التدمير.
إنها سياسة تجعل من استمرار الخراب شرطًا لاستمرار الربح. طالما بقي الركام، استمر تدفق الأموال إلى خزينة الاحتلال، التي تعاني أصلًا من أزمات اقتصادية خانقة بسبب الحرب. وفي مفارقة مذهلة، يدفع الفلسطيني، الذي فقد بيته وأهله، من دمه وحجره، تعويضات غير مباشرة لجيش الاحتلال واقتصاده كي يواصل قدرته على القتل والتدمير.
إن عدم تسليط الضوء على هذه الجزئيات بالاهتمام الإعلامي والبحثي الكافي ليس مجرد سهو أو انشغال بتفاصيل أخرى؛ إنه يعكس خللًا بنيويًا في طريقة قراءة الحرب.
لقد تحولت غزة إلى مختبر متكامل لاقتصاد الموت، حيث تتشابك فيها مصالح سياسية وأمنية مع أطماع تجارية لمقاولين ومستثمرين متوحشين. الحرب على غزة لا يحركها فقط جنون عقائدي صهيوني، بل يغذيها لوبي مالي متنفذ يجد في استمرار التدمير فرصة ذهبية للثراء السريع. كل حي يُمحى، وكل مسجد يُهدم، هو صفقة رابحة في سوق الدمار في تل أبيب.
يظل السؤال الجوهري مطروحًا: حتى ركام غزة تمت سرقته، فماذا بقي من هذه الأرض كي يُسرق؟ وإذا كان المجتمع الدولي والقانون الدولي عاجزين عن حماية البشر من الإبادة، فهل سيتحركون لفضح واسترداد حجارة البيوت المنهوبة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تتعلق فقط بالعدالة، بل بفهم طبيعة النظام الاقتصادي للاحتلال، الذي يجعل من جريمة الحرب استثمارًا طويل الأجل. إنها ليست مجرد حرب، بل هي بنية اقتصادية متكاملة تقوم على مبدأ واحد: خرابك عمرانٌ لي.