لم تعد غزة تحتمل مزيدًا من الأسئلة المؤجلة. فالحرب التي لم تغادر، وإن خفّ صوتها أحيانًا، تركت خلفها واقعًا إنسانيًا بالغ القسوة؛ حيث يعيش مئات الآلاف في مخيمات نزوح تفتقر لأبسط مقومات الحياة: خيامٌ لا تقي حرًّا ولا بردًا، موارد شحيحة، وأفق غامض. في هذا المشهد، لا يبحث الناس عن تحليلات معقدة، بل عن رمق حياة يعيد لهم شيئًا من الاستقرار المفقود.
لكن هذا "الرمق" لا ينفصل عن سؤال السياسة؛ فمع كل جولة تصعيد أو تهدئة، يعود النقاش حول من يتصدر القرار الفلسطيني، وهل يمكن أن يقود أي تغيير في مراكز القيادة داخل حركة فتح وحركة حماس إلى وحدة حقيقية في القرار، تنعكس مباشرة على حياة الناس.
الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها أن المشكلة الفلسطينية لم تعد في غياب القيادات، بل في طبيعة النظام السياسي نفسه. فسنوات الانقسام الطويلة أنتجت واقعًا مؤسسيًا مزدوجًا، ورؤى متباينة، وأولويات متناقضة في كثير من الأحيان. لذلك، فإن مجرد تغيير الأسماء أو إعادة توزيع المواقع داخل الفصيلين لن يكون كافيًا لإحداث تحول حقيقي، ما لم يترافق مع إرادة سياسية صادقة لكسر منطق الانقسام.
ومع ذلك، لا يمكن التقليل من أهمية العامل القيادي؛ فالتاريخ السياسي يثبت أن لحظات التحول الكبرى تبدأ أحيانًا بقرارات شجاعة من قيادات تدرك كلفة الاستمرار في الوضع القائم. فإذا ما تزامن أي تغيير في مراكز القرار مع استعداد فعلي للتنازل المتبادل، فقد يشكل ذلك مدخلًا لإعادة بناء المشهد على أسس أكثر تماسكًا.
غير أن التحدي الأكبر لا يقف عند حدود الداخل، بل يمتد إلى طبيعة العلاقة مع الخارج. فالسؤال الذي يطرحه الشارع بوضوح: هل يمكن أن يتشكل قرار فلسطيني موحد بعيدًا عن أي تبعية؟
الواقع يشير إلى صعوبة الانفكاك الكامل عن التأثيرات الإقليمية والدولية، لكن ذلك لا ينفي إمكانية بناء قرار وطني مستقل نسبيًا، تكون فيه المصلحة الفلسطينية هي البوصلة الأولى، لا الحسابات الخارجية.
إن وحدة القرار ليست شعارًا سياسيًا، بل شرطًا أساسيًا لإدارة أي مرحلة قادمة، سواء في وقف الحرب أو إعادة الإعمار أو حتى التفاوض. فاستمرار التشتت يعني إطالة أمد المعاناة، وتضييع الفرص، وترك الشارع الفلسطيني رهينة واقع لا يملك أدوات تغييره.
اليوم، يقف الفلسطينيون أمام مفترق طرق حقيقي: إما أن يتحول التغيير المرتقب في مراكز القرار إلى فرصة لإعادة بناء المشروع الوطني على قاعدة الوحدة، وإما أن يبقى في إطار تدوير الأشخاص، دون مساس بجوهر الأزمة.
وفي الحالتين، تبقى الحقيقة الأكثر إلحاحًا أن غزة لم تعد تحتمل الانتظار؛ فالناس هناك لا يسألون من يحكم، بقدر ما يسألون: من ينقذ ما تبقى من حياتنا؟ وبين هذا السؤال وتلك الإجابة، تتحدد قيمة أي تغيير، ومعنى أي قيادة، ومستقبل أي قرار.