تزداد في المدة الأخيرة التصريحات والتهديدات الإسرائيلية ضد قطاع غزة، غير أن المعطيات الميدانية والسياسية تشير إلى أن سيناريو الحرب الواسعة يبدو أقل حضورا في هذه المرحلة. فـ"إسرائيل" تتحرك ضمن سقف عملياتي محسوب يقوم على الاستنزاف والضغط المستمر، في وجود قيود عسكرية داخلية وحسابات إقليمية ودولية تجعل خيار التصعيد الشامل غير مطروح حاليا كأولوية، مع ترجيح استمرار نمط العمليات المحدودة وإدارة الصراع دون انفجار شامل.
ولا يعكس تداول احتمالات عودة حرب واسعة في غزة توقف العدوان الإسرائيلي خلال سبعة أشهر من عمر اتفاق وقف إطلاق النار، إذ واصلت قوات الاحتلال خرق الاتفاق، ما أسفر عن ارتقاء أكثر من 800 شهيد، ونحو 2000 جريح، في اعتداءات متواصلة، ما يؤكد استمرار مستوى مرتفع من التصعيد الإسرائيلي.
ويرى المختص في الشأن الإسرائيلي مراد السبع، أن المؤشرات الإسرائيلية الأخيرة تجاه غزة تعكس توجها نحو إدارة الصراع وليس حسمه، إذ تتعامل "تل أبيب" مع القطاع كملف مفتوح ضمن استراتيجية استنزاف طويلة الأمد، وليس كساحة جاهزة لحرب شاملة في المرحلة الحالية، خاصة في ظل تداخل الأولويات على جبهات أخرى أكثر حساسية بالنسبة لـ"إسرائيل".
تثبيت معادلات
ويشير إلى أن حكومة الاحتلال تحاول تثبيت معادلة تقوم على الضغط العسكري المستمر دون الانزلاق إلى حرب واسعة، عبر تكثيف الغارات والاغتيالات المحدودة، بما يحقق أهدافا تكتيكية تتعلق بإضعاف البنية العسكرية للمقاومة الفلسطينية، مع تجنب كلفة حرب برية طويلة قد تنهك الجيش وتفتح جبهات داخلية ضاغطة.
ويضيف أن غزة، في العقل الاستراتيجي الإسرائيلي، لم تعد تعامل كجبهة حسم فوري، بل كجبهة إدارة مزمنة، تستخدم فيها أدوات الضغط العسكري والإنساني والسياسي بشكل متداخل، بهدف منع استقرار الوضع دون الحاجة إلى عملية عسكرية شاملة قد تفرض أثمانا غير محسوبة.
ويؤكد السبع لصحيفة "فلسطين"، أن العامل الداخلي الإسرائيلي يلعب دورا مركزيا في كبح خيار الحرب الواسعة، خصوصا مع الإرهاق المتزايد في قوات الاحتياط وتكرار الاستدعاءات، ما يجعل المؤسسة العسكرية تميل إلى عمليات محدودة ومركزة بدلا من اجتياح بري واسع يتطلب تعبئة شاملة.
صورة التفوق والردع
ويرى أن حكومة نتنياهو تحاول الحفاظ على صورة التفوق والردع عبر عمليات محسوبة، دون الدخول في مواجهة مفتوحة قد تستنزف الجبهة الداخلية، خصوصا في ظل تصاعد الخلافات السياسية داخل الحكومة والجيش حول جدوى توسيع العمليات في غزة في هذه المرحلة.
ويشير السبع إلى أن التحركات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة تحمل طابع الضغط التدريجي، حيث يتم توسيع مناطق السيطرة بشكل بطيء، مع استخدام القوة الجوية بشكل مكثف، بما يخلق واقعا ميدانيا جديدا دون إعلان الانتقال إلى حرب شاملة أو تغيير جذري في قواعد الاشتباك.
كما يلفت إلى أن إسرائيل تراهن على عامل الزمن في إنهاك حركة حماس سياسيا وميدانيا، أكثر من الرهان على عملية عسكرية كبرى، وهو ما يعكس تحولا في العقيدة العملياتية نحو إدارة الصراع بدلا من حسمه السريع، في ظل إدراك محدودية القدرة على تحقيق أهداف كاملة في غزة.
ويضيف أن أي تصعيد واسع يبقى مرتبطا بتطورات إقليمية أوسع، خصوصا على جبهة لبنان وإيران، ما يجعل غزة جزءا من شبكة ردع متعددة الجبهات، وليس ساحة مستقلة يمكن خوض حرب شاملة فيها دون حسابات استراتيجية معقدة.
ويرى السبع أن إسرائيل تستخدم التصعيد المحدود كأداة تفاوض وضغط سياسي على الوسطاء، بهدف فرض شروطها في أي تسوية مستقبلية، خصوصا ما يتعلق بملف السلاح داخل غزة وترتيبات ما بعد الحرب، دون الوصول إلى نقطة الانفجار الشامل.
المشهد الحالي، وفق السبع، يعكس توازنا هشا بين الرغبة في التصعيد والقيود الواقعية، ما يجعل غزة في حالة حرب منخفضة الوتيرة مستمرة، وليس على أعتاب حرب واسعة في المدى القريب، رغم بقاء جميع السيناريوهات مفتوحة نظريا.
مزيح من حسابات
من جانبه، يرى المختص في الشأن الإسرائيلي طلعت الخطيب أن الدفع الإسرائيلي نحو التصعيد في غزة يرتبط بمزيج من الحسابات العسكرية والسياسية، حيث تسعى المؤسسة العسكرية إلى ترميم صورة الردع بعد جولات سابقة لم تحقق أهدافها المعلنة، خصوصا فيما يتعلق بإضعاف حركة حماس بشكل حاسم أو إنهاء سيطرتها على القطاع.
ويشير إلى أن خيار الحرب الواسعة يواجه قيودا عملية واضحة، أبرزها الضغط الكبير على قوات الاحتياط، وتراجع الجاهزية النفسية والميدانية لدى جنود الاحتلال نتيجة تكرار الاستدعاء، ما يجعل أي عملية برية كبيرة محفوفة بكلفة بشرية وسياسية مرتفعة داخل إسرائيل.
ويضيف أن القيادة السياسية، وعلى رأسها نتنياهو، تميل إلى إدارة الوقت أكثر من الذهاب إلى حسم سريع، عبر إبقاء حالة التصعيد المضبوط قائمة، بما يسمح بتحقيق مكاسب سياسية داخلية دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة قد تفجر الوضع الإقليمي.
ويرى المختص في الشأن الإسرائيلي أن جيش الاحتلال الإسرائيلي يفضل في هذه المرحلة العمليات المحدودة القائمة على الغارات الجوية والعمليات الخاصة، باعتبارها أدوات أقل كلفة وأكثر مرونة، تتيح استمرار الضغط على حماس دون الحاجة إلى تعبئة برية واسعة قد تستنزف القدرات العسكرية.
ويؤكد الخطيب لـ"فلسطين"، أن السيناريو الأكثر واقعية حاليا هو استمرار التصعيد التدريجي، مع إمكانية توسيع العمليات بشكل محدود إذا تطلبت التطورات الميدانية ذلك، لكن دون الانتقال إلى حرب شاملة، بسبب الكلفة العالية والقيود السياسية الداخلية والخارجية.
ويشير إلى أن الضغوط الدولية، خصوصا الأمريكية، تلعب دورا في ضبط سقف التصعيد، ليس عبر منع العمليات العسكرية، بل عبر منع تحولها إلى حرب واسعة قد تزعزع الاستقرار الإقليمي وتؤثر على ملفات أخرى أكثر حساسية بالنسبة لواشنطن.
ويوضح الخطيب، أن غزة تبقى ضمن معادلة إدارة صراع طويلة الأمد بالنسبة لإسرائيل، حيث يتم المزج بين الضغط العسكري والسياسي والإنساني، دون وجود إرادة واضحة حاليا للانتقال إلى حرب شاملة، رغم بقاء هذا الخيار نظريا ضمن حسابات الردع الإسرائيلية