فلسطين أون لاين

نداءات بالتعافي قبل الأضحى

قطاع الثروة الحيوانية في غزة... ثلاث سنوات من الركود القسري

...
منذ بداية الحرب تمنع سلطات الاحتلال إدخال المواشي إلى قطاع غزة بشكل كامل (أرشيف)
غزة/ رامي رمانة:

مع اقتراب عيد الأضحى، يغيب المشهد المعتاد في أسواق قطاع غزة ومزارعها، فقد كان المربون يستعدون في مثل هذا الوقت من كل عام لعمليات الحجز والبيع.

للسنة الثالثة على التوالي، يرزح القطاع تحت وطأة شلل شبه كامل نتيجة قيود الاحتلال المفروضة على إدخال المواشي ومستلزمات الإنتاج، بعدما دمّر الاحتلال الغالبية العظمى من المزارع خلال حرب الإبادة، ما دفع المواطنين للاعتماد القسري على اللحوم المجمدة.

بكر نصر، مربي مواشٍ من منطقة المغراقة، عاش واحدة من أقسى تجارب الانهيار التي طالت قطاع الثروة الحيوانية في قطاع غزة.

يروي نصر لصحيفة "فلسطين" أن الحرب لم تترك لمزرعته أي مقومات للبقاء، بعدما تعرضت للتدمير الكامل، على الرغم من أنها كانت تضم عجولًا هولندية وبلجيكية وخرافًا شكّلت مصدر رزقه الأساسي.

وبين أن موقع المزرعة في شمال المغراقة، قرب مناطق التوغل العسكري، جعلها عرضة مباشرة للأضرار مع توسع السيطرة الإسرائيلية فيما يسمى محور نتساريم وتقدم العمليات نحو الشمال والجنوب، ما أدى إلى فقدان السيطرة على المنطقة بالكامل وتعطّل أي إمكانية للوصول إليها أو حمايتها.

ويؤكد نصر أنه خلال فترة الحرب تكبد خسائر مالية كبيرة، بعدما دمّرت قوات الاحتلال المزرعة المقامة على مساحة دونم واحد بالكامل، بما فيها الحيوانات والأعلاف والبنية البسيطة التي كان يعتمد عليها في تربية المواشي.

ضربات متتالية

في السياق، يقول الخبير في الزراعة والبيئة نزار الوحيدي إن قطاع الثروة الحيوانية تعرّض لضربات متتالية خلال الحرب، تمثلت في تدمير واسع للمزارع ونفوق أعداد كبيرة من الأغنام والأبقار.

ومع استمرار إغلاق المعابر وتقييد دخول الأعلاف والمواشي، أصبحت عملية إعادة إحياء هذا القطاع مهمة معقدة تتجاوز قدرات المربين الأفراد، وتحتاج إلى تدخلات منظمة وعلى عدة مستويات.

ويضيف الوحيدي لصحيفة "فلسطين" أن الأزمة لا تقتصر على نقص أعداد المواشي، بل تشمل انهيارًا في سلاسل التوريد المرتبطة بها، من أعلاف ومياه وخدمات بيطرية، وصولًا إلى غياب البنية التحتية اللازمة للتربية والتسمين. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع أسعار ما تبقى من المواشي إلى مستويات تفوق قدرة معظم المواطنين، الذين باتت أولوياتهم تتركز على تأمين احتياجاتهم الأساسية.

ويرى الوحيدي أن إحياء قطاع تربية وتسمين العجول لا يزال ممكنًا، لكنه يتطلب خطة تدريجية تبدأ بمرحلة طوارئ تشمل إدخال الأعلاف وتوفير الرعاية البيطرية، إلى جانب دعم مباشر للمربين لإعادة تشغيل نشاطهم. كما يشير إلى أهمية استيراد عجول صغيرة قابلة للتسمين السريع كحل مؤقت يساهم في تقليص الفجوة في السوق.

وعلى المدى المتوسط، يؤكد أهمية إعادة بناء الحظائر بأساليب بسيطة ومنخفضة التكلفة، وتشجيع العمل التعاوني بين المربين لتقليل المخاطر، إلى جانب الاستثمار في إنتاج الأعلاف محليًا لتعزيز الاكتفاء الذاتي.

أما على المدى البعيد، فيشدد على ضرورة إدخال سلالات محسّنة، وتطوير أساليب التربية الحديثة، وبناء منظومة متكاملة تشمل الإنتاج والتخزين والتوزيع، إضافة إلى تبني حلول مبتكرة مثل الزراعة المائية للأعلاف بما يتناسب مع محدودية الموارد في القطاع.

وأظهرت إحصائيات صادرة عن وزارة الزراعة في قطاع غزة أن سوق الأضاحي كان يشهد نشاطًا كبيرًا قبل الحرب، مع توفر آلاف رؤوس العجول والأغنام سنويًا لتلبية احتياجات المواطنين خلال موسم عيد الأضحى.

ووفق البيانات التي حصلت عليها صحيفة "فلسطين" من الوزارة تراوح عدد العجول المخصصة للأضاحي سنويًا بين 10 إلى 12 ألف رأس، فيما سجلت السنوات الأقرب للحرب ارتفاعًا ملحوظًا؛ إذ بلغ عدد العجول المذبوحة نحو 17 ألف رأس في عام 2023، مقارنة بحوالي 20 ألف رأس في عام 2021.

وفيما يتعلق بالاستيراد، كان يتم إدخال نحو 3 آلاف رأس من العجول شهريًا، أي ما يعادل 30 إلى 36 ألف رأس سنويًا، لتغطية احتياجات السوق سواء للاستهلاك المباشر كأضاحي أو لدورات التسمين على مدار العام.

أما الأغنام، فقد تراوح الطلب السنوي على الأضاحي بين 30 إلى 40 ألف رأس، بينما انخفض العدد في عام 2023 إلى نحو 24 ألف رأس.

وتشير هذه الأرقام إلى أن قطاع غزة كان يحتاج سنويًا ما بين 10 إلى 20 ألف عجل للأضاحي، إلى جانب 30 إلى 40 ألف خروف، في وقت كان فيه الاستيراد يغطي جزءًا كبيرًا من هذه الاحتياجات ويدعم استمرارية السوق.

لكن هذا المشهد تغيّر بشكل جذري بعد الحرب؛ إذ أصبح الاستيراد صفرًا، ولم يُسمح بإدخال العجول أو الأغنام، واقتصر الأمر فقط على إدخال اللحوم المبردة، وحتى الدواجن لم يُسمح بإدخالها حية.

ضربة قاصمة لموسم الأضاحي

بدورها، أطلقت جمعية الإغاثة الزراعية تحذيرات من انهيار شامل يعصف بقطاع الثروة الحيوانية في قطاع غزة، مؤكدة أن سنوات الحرب الثلاث الأخيرة أدت إلى تدمير ممنهج لهذا القطاع الحيوي، ما ألقى بظلال قاتمة على حياة المربين وسلة غذاء المواطنين.

وقالت نهى الشريف، مسؤولة الإعلام والمناصرة في الإغاثة الزراعية، إن قطاع الإنتاج الحيواني شُلّ بالكامل نتيجة استمرار الحرب، مشيرة إلى أن المربين والأسواق المحلية يواجهون أزمة غير مسبوقة تزداد تعقيدًا مع مرور الوقت.

وأوضحت لصحيفة "فلسطين" أن الأزمة بلغت ذروتها مع فقدان السوق المحلي للأضاحي بشكل تام، سواء من الخراف أو العجول، وهو ما يمثل ضربة قاصمة لموسم يعوّل عليه المربون والشرائح المجتمعية المختلفة.

وأرجعت التدهور إلى عدة عوامل ميدانية، أبرزها الغياب شبه الكامل لمستلزمات الإنتاج، مع دخول كميات بسيطة جدًا من الأعلاف لا تكفي لسد احتياجات الماشية المتبقية، إلى جانب تدمير البنية التحتية للمزارع والمنشآت الحيوانية بشكل واسع خلال السنوات الثلاث الماضية.

كما أشارت إلى استنزاف القطيع الوطني وفقدان القدرة على تعويض السلالات الحيوانية التي هلكت بفعل القصف أو الجوع.

وشددت الشريف على أن تداعيات هذا الانهيار تجاوزت الخسائر الاقتصادية لتطال الأمن الغذائي، حيث بات الحصول على البروتين الحيواني أمرًا بالغ الصعوبة، ولم يعد النقص مقتصرًا على اللحوم الحمراء فقط، بل امتد ليشمل قطاع الصيد البحري، ما يعني حرمان المجتمع من مصادر البروتين الأساسية والضرورية للصحة العامة.

إعادة بناء المزارع

من جهته، أكد الدكتور البيطري سعود الشوا أن استعادة عافية قطاع الثروة الحيوانية في قطاع غزة تتطلب عملية إعادة بناء من الأساس، مشددًا على أن الحلول المؤقتة لم تعد مجدية بعد الدمار الشامل الذي طال المزارع والبنية التحتية.

وأوضح الشوارع لصحيفة "فلسطين" أن الأولوية يجب أن تُعطى لإعادة بناء مزارع الأبقار والعجول والأغنام والدواجن التي دُمّرت بشكل شبه كامل، مشيرًا إلى أن ذلك يتطلب فتح المعابر بشكل دائم لضمان تدفق مواد البناء والاحتياجات اللوجستية، وإدخال المواد الأساسية مثل الحديد والزينقو والبركسات اللازمة لإنشاء الحظائر والمزارع المهيأة للتربية.

وفيما يتعلق بملف الأضاحي، أشار إلى أن القضية تتجاوز مجرد توفير الحيوانات لموسم معين، بل ترتبط بالأمن الغذائي والاقتصادي المستدام، داعيًا إلى السماح بإدخال الأعلاف والتحصينات لضمان سلامة الحيوانات المتبقية وحمايتها من الأمراض والفيروسات التي قد تنتشر نتيجة نقص الرعاية والظروف البيئية الصعبة.

كما شدد على أهمية إدخال المبيدات والمواد الطبية لمكافحة الحشرات والآفات مثل الجراد والبراغيث التي تهدد الثروة الحيوانية.

المصدر / فلسطين أون لاين