وجوه صغيرة مثقلة بآثار الألم، وأعين تفتش عن فرصة جديدة للحياة، في أزقة أحياء قطاع غزة، حيث تختلط ضحكات الأطفال بذكريات الحرب والحوادث المنزلية، تسعى عائلات كثيرة إلى مداواة جراح لا تُرى بسهولة.
فالمعاناة لا تقف عند حدود الإصابة الجسدية، بل تمتد لتطال النفس والقدرة على الاندماج في تفاصيل الحياة اليومية. ومع ذلك، تبرز محاولات طبية متقدمة تمنح هؤلاء الأطفال بارقة أمل لاستعادة ملامحهم وثقتهم بأنفسهم.
حروق شديدة

كانت الطفلة ألمى محمود أبو كرش، ذات السبعة أعوام، تلهو ببراءتها قبل أن تنقلب حياتها إلى مأساة. ففي نوفمبر 2025، تعرضت لانفجار جسم مشبوه داخل منزلها في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة.
وأدى الانفجار، بحسب والدتها، إلى إصابتها بحروق شديدة في الوجه واليدين. وتقول: تلقت ألمى علاجًا أوليًا، قبل تحويلها لاستكمال العلاج لدى منظمة أطباء بلا حدود – فرنسا، لكن آثار الحروق تركت ندوبًا واضحة على وجهها، انعكست سلبًا على حالتها النفسية.
تقول والدتها لصحيفة "فلسطين" إن ألمى بقيت لفترة طويلة حبيسة المنزل، ترفض الخروج أو مواجهة الآخرين بسبب مظهرها الجديد. إلا أن تدخل فريق طبي متخصص غيّر مجرى حياتها، حيث صُمم لها قناع طبي خاص باستخدام تقنيات حديثة.
وتضيف: لم يكن هذا القناع مجرد وسيلة علاجية، بل شكل نقطة تحول أعادت لها القدرة على الخروج واللعب مع أطفال الحي، واستعادة جزء من طفولتها التي كادت أن تضيع.
رقعة جلدية

بينما، يروي يحيى عبد الكريم نسمان تفاصيل إصابة ابنه محمد، الذي لم يتجاوز عامه الثاني، فبعد عودة العائلة من رحلة نزوح شاقة في يناير 2025، تعرض الطفل لحادث منزلي، حين سقط وجهه في مقلاة زيت ساخن أثناء إعداد والدته للطعام.
ويشير نسمان لصحيفة "فلسطين" إلى أن الطفل نُقل فورًا إلى مجمع الشفاء الطبي، ثم إلى مستشفى تابع لمنظمة طبية دولية، حيث خضع لعدة مراحل علاجية.
ويضيف أن محمد، أجرى عملية جراحية في مستشفى ناصر الطبي، تم خلالها زراعة رقعة جلدية في موضع الحرق. غير أن رحلة العلاج لم تتوقف عند هذا الحد، إذ واصل الطفل تلقي العلاج وارتداء قناع طبي لأكثر من عام ونصف، في محاولة لتحسين مظهر الجلد والتقليل من آثار الحروق.
ومع تنقله بين عدة مستشفيات ومراكز طبية، كان الأمل يكبر مع كل مرحلة، خاصة بعد حصوله على قناع مصمم بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، ساعده على التكيف مع محيطه والعودة تدريجيًا للعب مع أقرانه.
نقلة نوعية

في هذا السياق، يوضح مشرف العلاج الطبيعي في منظمة أطباء بلا حدود – فرنسا، محمد القطراوي، أن استخدام الأقنعة الطبية ثلاثية الأبعاد يمثل نقلة نوعية في علاج الحروق، لا سيما في مناطق الوجه والرقبة.
ويبين القطراوي لصحيفة "فلسطين" أن العملية تبدأ بأخذ مسح دقيق لوجه المصاب باستخدام أجهزة متخصصة، ثم يُصمم القناع رقميًا قبل طباعته وتحويله إلى قالب يُصنع من مواد بلاستيكية مرنة. بعد ذلك، يُشكل القناع حراريًا ليتلاءم تمامًا مع ملامح المريض، بما يضمن فعالية العلاج وراحة الاستخدام.
ويؤكد القطراوي، أن دور هذه الأقنعة لا يقتصر على تحسين الشكل الخارجي، بل يمتد لمنع المضاعفات مثل التقلصات الجلدية والتشوهات الدائمة.
كما يخضع المرضى والمصابين وفق القطراوي، لجلسات متابعة دورية لضمان أفضل النتائج، مع إجراء تعديلات مستمرة على القناع وفق تطور الحالة.
تحديات كبيرة

ورغم أهمية هذه الخدمة، تواجه الطواقم الطبية تحديات جسيمة، ويشير القطراوي، إلى أن تزايد أعداد الإصابات، خاصة بين الأطفال، أدى إلى ضغط كبير على الأقسام المتخصصة، فبعد أن كانت الحالات اليومية قبل الحرب تتراوح بين حالتين إلى ثلاث، ارتفعت اليوم إلى نحو خمس حالات يوميًا، تشمل التقييم والتصميم وتسليم الأقنعة.
ويضيف: أن الفرق الطبية تعاني من نقص حاد في المواد الخام اللازمة لتصنيع الأقنعة، خصوصًا تلك المستخدمة في الطباعة ثلاثية الأبعاد، نتيجة القيود المفروضة على إدخالها إلى قطاع غزة، ما يهدد استمرارية هذه الخدمة الحيوية.
ويشير إلى أن نحو 80% من الحالات التي تُتابع في أقسام الأقنعة هم من الأطفال، في دلالة واضحة على حجم التأثير الكبير للحروب والحوادث على هذه الفئة.
كما تضاعف عدد الأطفال المصابين بالحروق بشكل ملحوظ بعد الحرب، ليصل إلى عشرة أضعاف ما كان عليه سابقًا، بحسب القطراوي.
ويختم بالقول: رغم كل هذه التحديات، تتواصل الجهود الطبية لإعادة الأمل إلى وجوه أنهكها الألم، فكل قناع يُصنع، وكل طفل يستعيد ابتسامته، يمثل انتصارًا صغيرًا في وجه واقع قاسٍ، ورسالة بأن الحياة يمكن أن تبدأ من جديد، حتى في أكثر الأماكن معاناة.


