فلسطين أون لاين

الإعلام وصناعة الإدراك في غزة... من نقل الحدث إلى تشكيل الرواية

لم يعد الإعلام مجرد وسيط لنقل الوقائع كما هي، بل تحوّل إلى فاعلٍ مركزي في تشكيل الإدراك العام وصياغة الرواية السياسية للصراعات المعاصرة. وتبرز حالة قطاع غزة بوصفها نموذجًا كثيفًا لهذا التحول؛ إذ تتداخل فيها الأبعاد الإنسانية والعسكرية والسياسية ضمن بيئة إعلامية متشابكة، تتنافس فيها سرديات متعددة على كسب الشرعية والتأثير في الرأي العام العالمي.
في السياق التقليدي، كان الإعلام يُقاس بمدى دقته في نقل الحدث وتوثيقه، مع افتراضٍ ضمني بوجود "حقيقة موضوعية" يمكن الوصول إليها عبر المهنية الصحفية. غير أن تطور البيئة الرقمية، وصعود منصات التواصل الاجتماعي، وانتشار صحافة المواطن، أعاد تعريف هذا الدور. لم يعد السؤال: "ماذا حدث؟" فقط، بل: "كيف يُعرض الحدث؟" و"من يمتلك القدرة على تأطيره؟".
في غزة، تتجلى هذه الإشكالية بوضوح؛ حيث تتحول الصورة أو المقطع القصير إلى أداة لإعادة بناء الواقع، لا مجرد انعكاسٍ له. تعتمد عملية تشكيل الإدراك على آليات متعددة، أبرزها التأطير (Framing)، والانتقاء (Selection)، والتكرار (Repetition). فاختيار زاوية التغطية، والمصطلحات المستخدمة، وحتى ترتيب الأخبار، يسهم في إنتاج معنى معين للحدث. على سبيل المثال، توصيف الفعل العسكري قد يختلف بين "دفاع" و"هجوم"، تبعًا للمنصة الإعلامية، وهو اختلاف لغوي يحمل في طياته حمولة سياسية وقانونية.
هذا التباين لا يقتصر على المؤسسات الإعلامية الكبرى، بل يمتد إلى الفاعلين الرقميين، حيث يُعاد إنتاج الخطاب وتضخيمه عبر شبكات واسعة من المستخدمين.
في المقابل، أتاح الإعلام الرقمي لسكان غزة فرصة غير مسبوقة لكسر احتكار السردية؛ فبفضل الهواتف الذكية ومنصات النشر الفوري، أصبح الأفراد قادرين على توثيق تجاربهم اليومية وبثها مباشرة إلى العالم. هذا التحول أعاد توزيع القوة الرمزية في المجال الإعلامي، وفتح المجال أمام "روايات من الأسفل" تنافس الروايات الرسمية. غير أن هذا الانفتاح لا يخلو من إشكاليات؛ إذ تتداخل الحقيقة مع الانفعال، وتزداد مخاطر التضليل أو الاستخدام الانتقائي للمحتوى.
من زاوية أخرى، تلعب الخوارزميات دورًا حاسمًا في تحديد ما يُرى وما يُهمّش؛ فالمحتوى الذي يحقق تفاعلًا أكبر يحظى بانتشار أوسع، بغض النظر عن دقته أو سياقه. هذا المنطق يعزز من هيمنة الصور الصادمة والعناوين المثيرة، ما قد يؤدي إلى اختزال الواقع المعقد في لقطات جزئية تُعيد تشكيل الإدراك وفق منطق التأثير اللحظي، لا الفهم العميق. في حالة غزة، يسهم ذلك في إنتاج موجات تعاطف أو رفض سريعة، لكنها غالبًا ما تكون غير مستقرة أو قابلة للتسييس.
ولا يمكن إغفال البعد السياسي للإعلام في هذا السياق؛ فالدول والفاعلون غير الحكوميين يوظفون أدوات الاتصال الاستراتيجي للتأثير في الرأي العام الدولي، سواء عبر حملات منظمة أو دعم شبكات إعلامية متحالفة. هنا يتحول الإعلام إلى امتدادٍ للصراع، وتغدو الرواية جزءًا من موازين القوة. إن معركة "من يروي القصة" لا تقل أهمية عن مجريات الميدان؛ لأنها تؤثر في مواقف الحكومات، وقرارات المنظمات الدولية، وحتى في تشكيل الذاكرة الجماعية.
أمام هذا الواقع، تبرز الحاجة إلى مقاربة نقدية للإعلام، تتجاوز الاستهلاك السلبي للمحتوى نحو تحليل بنيته وخطابه. فالمتلقي لم يعد مجرد مستقبل، بل فاعل يشارك في إعادة إنتاج المعنى عبر التفاعل والمشاركة. ومن هنا، يصبح الوعي الإعلامي شرطًا أساسيًا لفهم ما يجري في غزة، بعيدًا عن الانجرار وراء سرديات أحادية أو انفعالية.
خلاصة القول: إن الإعلام في حالة قطاع غزة لم يعد ناقلًا للحدث بقدر ما أصبح صانعًا للإدراك ومهندسًا للرواية. وبين تعدد الأصوات وتضارب المصالح، تبقى الحقيقة في حاجة إلى جهد تحليلي مضاعف، يستند إلى التحقق والسياق، لا إلى الانطباع والتكرار. وفي هذا التوتر بين الواقع وتمثيله، تتحدد صورة غزة في الوعي العالمي، لا بوصفها جغرافيا فقط، بل كقضية تُعاد صياغتها باستمرار عبر عدسة الإعلام.

المصدر / فلسطين أون لاين