فلسطين أون لاين

حماس وسياسة الاغتيالات الإسرائيلية

تعمل "إسرائيل" منذ تأسيسها وفق سياساتٍ متعددةٍ للقضاء على مناهضيها، ومن أبرز تلك السياسات سياسة الاغتيالات بطرقٍ متعددة. فبينما عملت على اغتيال العديد من قادة المقاومة بواسطة الموساد "الإسرائيلي"، الذي عمل على تنفيذ عملياته ببصمةٍ منخفضة، كاغتيال الأمين العام والمؤسس لحركة الجهاد الإسلامي، الدكتور فتحي الشقاقي، في مالطا خلال تسعينيات القرن الماضي، كما عملت على تنفيذ بعض العمليات ببصمةٍ صاخبة، كاغتيال القائد في حزب الله اللبناني، على الأراضي السورية، عماد مغنية، حيث تم تفخيخ سيارته الخاصة لتُفجَّر فور تأكيد عميل الموساد للهدف.

وعلى الرغم من نجاح العديد من العمليات الأمنية والعسكرية الخاصة باغتيال العديد من القيادات، إلا أن هناك هامشًا من الفشل لعددٍ من العمليات التي تنفذها "إسرائيل" ضد قادة المقاومة؛ حيث فشلت في اغتيال نائب قائد أركان كتائب القسام، الشهيد أحمد الجعبري، في العام 2004، بعد أن قصفت ديوان عائلته الذي كان يجلس فيه، ما أدى إلى استشهاد نجله الأكبر محمد، والعديد من إخوانه وأبناء عائلته.

فيما نجحت في اغتياله بعد ثماني سنواتٍ تقريبًا، حيث تم استهداف سيارته التي كانت تقله في نوفمبر 2012، في أحد شوارع مدينة غزة، والتي كان على إثرها اندلاع معركة حجارة السجيل، التي استمرت قرابة ثمانية أيام، بإضافاتٍ نوعيةٍ للمقاومة الفلسطينية اخترقت من خلالها العمق "الإسرائيلي"، ما عقّد معادلة الصراع ورسّخ قاعدة اشتباك حظرت الاغتيالات "الإسرائيلية" داخل القطاع دون الدخول في معركة مع الاحتلال.

وقد استمر كلٌّ من حركات المقاومة الفلسطينية و"إسرائيل" في سيرهما وفق قواعد الاشتباك، حتى كسرت المقاومة الفلسطينية تلك القواعد المتعارف عليها في الأبجديات السياسية والعمليات الأمنية والعسكرية، من خلال هجومها الكبير على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، عبر قوات النخبة؛ حيث استطاعت الأخيرة تدمير ما عُرف بفرقة غزة العسكرية "الإسرائيلية"، محاولةً أسر أكبر عددٍ من الجنود "الإسرائيليين".

لتكون ردة فعل "إسرائيل" حيال الهجوم بإعلان حالة الحرب، التي لم تُعلن في "إسرائيل" منذ حرب 1973، أي قرابة نصف قرنٍ من الزمن؛ حيث عملت خلال الحرب على تنفيذ ضرباتٍ قاسيةٍ بحق القيادة السياسية والعسكرية والأمنية الخاصة بحركات المقاومة لـ"إسرائيل" في الداخل والخارج. وقد عملت على اغتيال القيادات العسكرية التابعة لحزب الله اللبناني، مثل فؤاد شكر، وإبراهيم عقيل، وجواد الطويل، وغيرهم من القيادات صاحبة التاريخ الطويل في مقاومة "إسرائيل".

كما عملت على اغتيال القيادات السياسية المؤثرة بالنسبة للحزب أيضًا، مثل حسن نصرالله، الأمين العام للحزب، والرجل الثاني فيه سياسيًا، هاشم صفي الدين، الذي كان يُعدّ الخليفة المحتمل لتسلّم زمام الأمور حال اغتيال نصرالله. لتكون تلك الضربات الأمنية القاسية بمثابة اختراقٍ أمنيٍ نوعي لبنية حزب الله الأمنية، ليتدارك الأخير نفسه من خلال تنفيذ عمليات ترميم لقياداته السياسية والعسكرية والأمنية، وترميم قدراته التي فاجأت "إسرائيل" خلال انخراطها في الحرب إلى جانب إيران ضد "إسرائيل".

وعلى صعيد حركات المقاومة الفلسطينية، فقد عملت "إسرائيل" على اغتيال العديد من القيادات العسكرية والأمنية والسياسية في الداخل والخارج الفلسطيني. فعلى صعيد حركة الجهاد الإسلامي، اغتالت "إسرائيل" أحد قياداتها البارزين، مثل عبد العزيز الميناوي، على الأراضي السورية، كما اغتالت بعض قادتها العسكريين داخل القطاع خلال معركة طوفان الأقصى (7 أكتوبر 2023 – 10 أكتوبر 2025)، مثل محمد أبو العطا، شقيق قائد سرايا القدس في المنطقة الشمالية، بهاء أبو العطا، الذي اغتالته "إسرائيل" قبل الحرب.

وعلى صعيد حركة حماس، فقد عملت "إسرائيل" على استهداف بنيتها السياسية والعسكرية والأمنية من خلال اغتيال العديد من قياداتها البارزين، للوصول إلى اتفاقٍ يرضي الطرف "الإسرائيلي" ويسحق المقاومة الفلسطينية عبر قيادةٍ ضعيفةٍ تقود الحركة. وقد عملت في سبيل ذلك على اغتيال القائد صالح العاروري على الأراضي اللبنانية، الذي كان يشغل منصب نائب رئيس حركة حماس في بداية العام 2024، كما عملت على اغتيال إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، في نهاية يوليو 2024، وذلك وسط عملية التفاوض التي كانت في أوجها؛ حيث اختار رئيس الوزراء "الإسرائيلي"، بنيامين نتنياهو، مسار التصعيد على مسار التفاوض، الذي كان يمكن أن يوصل إلى وقف إطلاق نار.

كما اغتالت القائد العسكري البارز، منذ أكثر من ثلاثة عقود، محمد الضيف، قائد كتائب القسام، خلال غارةٍ "إسرائيلية" استهدفته أثناء قيادته للمعركة، إلى جانب اغتيال العديد من القيادات العسكرية البارزة، مثل محمد السنوار، الذي شغل منصب القائد العام لكتائب القسام خلفًا لمحمد الضيف ومروان عيسى، كما تم اغتيال الناطق العسكري باسم القسام، المعروف بأبي عبيدة، خلال أغسطس 2025، وغيرهم من القيادات البارزة.

وكانت حركة حماس قد اتبعت سياسة الإعلان عن القائد الجديد للحركة خلفًا لإسماعيل هنية، حيث اختير يحيى السنوار، ليكون اختياره بمثابة صفعةٍ سياسيةٍ لـ"إسرائيل"، والذي اغتيل دون معرفة هويته الحقيقية قبل اغتياله من مجموعةٍ من الجنود "الإسرائيليين"، الذين اكتشفوا هويته بعد استشهاده. لتتحفّظ الحركة على تنصيب قائدٍ جديدٍ لها، مستعيضةً بمجلس القيادة عن ذلك المنصب، ليقوده القيادي البارز في حركة حماس، المعروف باسم (أبو عمر حسن) في أوساط الحركة. وقد استمرت حماس في ذلك حتى أعلنت مصادر للتلفزيون العربي بإتمام إقليم قطاع غزة اختيار رئيس الحركة داخل القطاع، كما تجري المنافسة على القيادة السياسية للحركة في مكتبها السياسي العام بين كلٍّ من الدكتور خليل الحية والأستاذ خالد مشعل.

حيث شغل مشعل منصب رئاسة حركة حماس فترةً طويلةً تجاوزت العقدين من تاريخ الحركة، وقد حاولت "إسرائيل" اغتياله بالسم خلال إقامته في المملكة الأردنية الهاشمية خلال تسعينيات القرن الماضي. كما حاولت "إسرائيل" اغتيال الدكتور خليل الحية مراتٍ عديدة، عُرف منها استهداف ديوان عائلته الذي كان يجلس فيه، ما أدى إلى استشهاد العديد من أشقائه وأبنائهم وأبناء عمومته، كما اغتيل ولده البكر خلال معركة العصف المأكول في العام 2014، بالإضافة إلى زوجته والعديد من أبنائه.

غير أن إصابةً أصابت زوجته خلال الغارة ذاتها التي استهدفت نجله البكر أسامة، كما أن نجله الثاني حمزة قد اغتيل في العام 2008 خلال إطلاقه قذائف المدفعية الخاصة بكتائب القسام. كما أن محاولة اغتيالٍ له ولعددٍ من القيادات السياسية التابعة لحركة حماس جرت في الدوحة في سبتمبر 2025، من خلال استهداف مقر اجتماعهم لمناقشة العرض الأمريكي حول وقف الحرب على قطاع غزة، حيث قُتل في تلك المحاولة كلٌّ من نجله همام، ومدير مكتبه، وجزء من طاقم المرافقة.

وعليه، فإن اختيار حركة حماس لقائدٍ جديدٍ وترقّب الجميع للإعلان عنه خلال الفترة الحالية يؤكد تماسك البنية السياسية والعسكرية والأمنية للحركة، ومرونة الهرم القيادي فيها خلال الحرب الأخيرة التي طالت العديد من قياداتها. كما أن اختيارها لقائد إقليم غزة، كما ورد سابقًا، وترقّب اختيار رئيس المكتب السياسي العام للحركة، يدلّان على سرعة تعافي الحركة من الضربات التي تلقتها، وأنها لا تنتهي بانتهاء حياة قائدٍ ما، مهما كان تاريخه، بل تكمل الطريق دون توقف، ما يدل على عدم وجود نظرية حكم الفرد في العقلية التنظيمية التابعة لحماس، وحفاظها على تماسك أركانها مهما بلغت التحديات.

المصدر / فلسطين أون لاين