فلسطين أون لاين

وسط مأزق التصعيد وضغوط الداخل

خبراء يؤكدون تعثر الحصار البحري على إيران ويحددون خيارات واشنطن

...
قوات البحرية الإيرانية - (صورة أرشيفية)
غزة- بغداد/ علي البطة:

بعد عشرين يوما من فرض الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية دون تحقيق أهدافه، ومع تصاعد حدة التصريحات التي يطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الأيام الأخيرة، يتكرس انطباع متزايد بأن واشنطن تقر ضمنيا بفشل هذه الأداة في إخضاع طهران، خاصة بعد حرب أمريكية–إسرائيلية خيضت طوال أربعين يوما لتحقيق أهداف بنيامين نتنياهو دون أن تحقق غاياتها.

ويعكس هذا المسار حقيقة أن الحصار البحري لم يكن نهاية الخيارات الأمريكية، بل خطوة ضمن سياسة ضغط متدرجة تحاول تعويض فشل الأدوات العسكرية المباشرة، مع عجز أمريكي إسرائيلي واضح في فرض واقع جديد على الأرض بالرغم من حجم القوة النارية المستخدمة.

كما يكشف تتابع الأحداث عن أن واشنطن لا تزال تبحث عن نقطة حسم لم تتحقق حتى الآن، وسط صمود إيراني وقدرة على امتصاص الضغوط، ما يجعل المواجهة مفتوحة على احتمالات التصعيد دون أفق واضح لنهاية قريبة.

تحولات فشل الحرب

ويشير د. نعيم الريان الخبير في الشؤون الأمريكية، إلى أن الحصار البحري لا يمثل نهاية الخيارات الأمريكية، بل هو خطوة على طريق تصعيدي أوسع يهدف إلى فرض الاستسلام والهيمنة على إيران، مؤكدا أن ما يجري اليوم هو امتداد لفشل السيناريو العسكري السابق.

ويضيف أن الحرب التي اندلعت في 28 فبراير الفائت لتحقيق أهداف نتنياهو، وانتهت بعد أربعين يوما دون نتائج حاسمة، دفعت واشنطن للانتقال إلى أدوات ضغط بديلة، أبرزها الحصار البحري.

الريان يؤكد لصحيفة "فلسطين"، أن الحديث عن الاكتفاء بسياسة "الحرب الباردة" مع إيران لا يعكس حقيقة التوجه الأمريكي، إذ لا تزال واشنطن تسعى إلى فرض شروطها بشكل كامل. موضحا أن فشل مفاوضات إسلام آباد شكل نقطة تحول، حيث جرى الانتقال مباشرة إلى التصعيد البحري في محاولة لتعويض الإخفاق السياسي.

ويشدد على أن وضوح الموقف الإيراني ورفضه الشروط الأمريكية يجعل من الصعب تحقيق اختراق سريع، ما يطيل أمد المواجهة.

ويطرح الريان عامل الوقت كأحد أبرز عناصر الأزمة، معتبرا أن الحصار البحري يحتاج إلى مدة طويلة ليؤتي ثماره، في حين تعيش الإدارة الأمريكية تحت ضغط سياسي داخلي متسارع. مضيفا أن هذا التناقض بين أداة بطيئة وواقع سياسي سريع يكشف مأزقاً حقيقياً في إدارة الصراع.

ويلفت إلى أن استمرار التوتر في مضيق هرمز ينعكس على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك الاقتصاد الأمريكي، ما يزيد من كلفة الحصار. ويؤكد أن الأعباء المالية والعسكرية للوجود الأمريكي في المنطقة تتصاعد دون تحقيق نتائج ملموسة.

ويتوقع الريان أن الفشل في تحقيق إنجاز قبل الانتخابات النصفية الأمريكية قد يتحول إلى أزمة سياسية داخلية للرئيس دونالد ترامب تقيد خياراته التصعيد.

أداة استنزاف لا حسم

من جانبه، يرى الباحث العسكري عباس الساعدي أن الحصار البحري للموانئ الايرانية يمثل أداة استنزاف طويلة الأمد، وليس وسيلة حسم سريع، إذ يقوم على خنق الشريان الاقتصادي تدريجيا.

ويؤكد الساعدي في حديثه لصحيفة "فلسطين"، أن هذا الحصار يصطدم بواقع جغرافي معقد، حيث تمتلك إيران عمقا بريا وشبكات التفاف تقلل من فعاليته. ويضيف أن البيئة البحرية في الخليج شديدة الحساسية، وأي احتكاك قد يتحول إلى مواجهة مباشرة.

ويشير الساعدي إلى أن الهدف الأمريكي يتراوح بين الضغط والاحتواء وفرض شروط تفاوضية قاسية على القيادة الايرانية، دون القدرة على الحسم الكامل.

ويرى أن الحصار الأمريكي يستخدم لرفع سقف التفاوض أكثر من كونه أداة نهائية للحسم.

التصعيد المفتوح

ويحذر الساعدي من أن فشل الحصار قد يدفع نحو خيارات أكثر خطورة، مثل الضربات النوعية أو توسيع نطاق الاشتباك ليشمل احتكاكات مباشرة او نقل الصراع لساحات أخرى.

ويؤكد أن خطر الانزلاق غير المقصود نحو مواجهة أوسع نتيجة خطأ تكتيكي يبقى قائما في ظل بيئة عسكرية مزدحمة. مشيرا أن قدرة إيران على الصمود تجعل من الحصار أداة مكلفة للطرفين.

ومن جهته، يعتبر الخبير في الشؤون العسكرية والاستراتيجية نبيل الجمل، أن الحصار البحري قد فشل فعليا وتحول إلى عبء على الولايات المتحدة. مؤكدا نجاح إيران في تحويل الضغط إلى فرصة لتعزيز موقعها الاستراتيجي.

ويضيف الجمل في حديثه لصحيفة "فلسطين" أن عامل الوقت لم يعد في صالح واشنطن، في ظل قدرة إيران على التكيف مع الضغوط.

ويحذر من أن أي تصعيد عسكري اسرائيلي أمريكي جديد سيواجه برد إيراني واسع، ما قد يدفع المنطقة إلى مرحلة أكثر خطورة.

إزاء تراجع فعالية الأدوات الحالية، يبقى التصعيد خيارا قائما، برأي الخبراء، لكن دون ضمانات لتحقيق الحسم. ويؤكدوا أن إدارة ترامب تواجه مأزقا مركبا بين رغبتها في تحقيق إنجاز سريع في حربها وضغوطها الداخلية المتزايدة.

بين الحصار والتصعيد الأمريكي الإسرائيلي، يبقى المشهد في عموم المنطقة مفتوحا على احتمالات متعددة، دون مؤشرات واضحة على قدرة واشنطن و(تل أبيب) فرض إرادتها على طهران حتى الآن.